ثلاث قوى تدفع التضخم في أميركا.. والاحتياطي الفيدرالي يحددها

أسعار الفائدة الأميركية أمام معضلة جديدة.. صدمات الطاقة والذكاء الاصطناعي تضاعف مستهدف التضخم (شترستوك)
تقرير الفيدرالي الأميركي للكونغرس: «الرسوم الجمركية» وحرب إيران وطفرة الذكاء الاصطناعي وراء تسارع التضخم
أسعار الفائدة الأميركية أمام معضلة جديدة.. صدمات الطاقة والذكاء الاصطناعي تضاعف مستهدف التضخم (شترستوك)

أكد مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)، اليوم الجمعة، في تقرير السياسة النقدية الدوري الموجه إلى الكونغرس، أن معدلات التضخم في الولايات المتحدة شهدت «تسارعاً إضافياً خلال ربيع هذا العام»؛ وذلك بفعل التأثيرات الهيكلية المتطورة للرسوم الجمركية، والارتفاعات المرتبطة بالحروب في كلفة الطاقة، والإنفاق الرأسمالي الضخم على بنيان الذكاء الاصطناعي، وهي العوامل التي عززت ضغوط الأسعار المتجذرة منذ العام الماضي.

وأوضح التقرير أن «التضخم ارتفع هذا العام ولا يزال مرتفعاً بشكل ملحوظ قياساً بالمستهدف طويل الأجل للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة البالغ 2%»، مشيراً إلى أن البيانات الإحصائية الأخيرة أظهرت أن مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) –وهو المقياس المفضل والأساسي للمركزي الأميركي– يتحرك حالياً عند ضعف هذا المعدل المستهدف تقريباً حتى شهر مايو الماضي.

استقرار سوق العمل بضغط شيخوخة السكان.. وأول ظهور لـ«وورش» في الكابيتول

وفي المقابل، أشار التقرير إلى أن «سوق العمل الأميركية استقرت، مع توازن تقريبي بين العرض والطلب»، حيث لا يزال معدل البطالة لشهر يونيو البالغ 4.2% مستقراً عند «مستويات منخفضة»، مدفوعاً بالتغيرات الديموغرافية وأنماط التوظيف التي تدعم هذا الاستقرار.

ونوهت الوثيقة الفيدرالية بأن فرص العمل الشاغرة استقرت دون تغيير، وظلت معدلات تسريح العمالة «منخفضة»، في حين شهدت القوة العاملة الإجمالية حالة من الركود؛ بسبب التباطؤ الملحوظ في معدلات الهجرة والتراجع المستمر في نسب المشاركة بسب شيخوخة السكان، وهو ما تم تعويضه بقفزة قوية في معدلات إنتاجية العمل ليحافظ نمو الاقتصاد الإجمالي على وتيرته «المعتدلة» بنمو الناتج المحلي الإجمالي بمعدل سنوي بلغ 2.1%.

ويُعد هذا التقرير هو الأول من نوعه الصادر تحت مظلة رئيس الفيدرالي الأميركي الجديد، كيفين وورش، والذي من المقرر أن يمثل أمام اللجان المختصة في مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين على التوالي، لإجراء المراجعات نصف السنوية للسياسة النقدية.

وكانت جلسات الاستماع المعتادة لربيع هذا العام قد تأخرت جراء السجالات التنظيمية بين رئيس الفيدرالي السابق جيروم باول والرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبل أن يتولى وورش القيادة في أواخر مايو عقب انتهاء ولاية باول الرسمية.

حرب الترددات النفطية ومقصلة الفائدة

وأبقى الفيدرالي الأميركي على أسعار الفائدة ثابتة دون تغيير منذ ديسمبر الماضي، إلا أن المخاوف التضخمية العميقة –لا سيما منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أواخر فبراير الماضي– دفعت المستثمرين لتوقع زيادات ورفع لأسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا العام.

ورغم تحفظ وارش على استباق نتائج السياسات النقدية، فإن التوقعات الصادرة عن مسؤولي البنك في اجتماع يونيو أظهرت انقساماً متساوياً بين من يتوقعون رفع الفائدة هذا العام، ومن يرجحون بقاءها ثابتة أو هبوطها.

وفي تحول فكري لافت، تضمن التقرير قسماً خاصاً بتحليل حجم المعروض النقدي «إم 2» (الذي يشمل النقد المتداول والودائع قصيرة الأجل وصناديق الاستثمار في أسواق النقد للتجزئة) ليمثل أول ذكر رسمي لهذه الآلية في تقارير الفيدرالي منذ عام 2016؛ حيث تراجع الاهتمام بالكتلة النقدية كمحرك للتضخم لعقود، قبل أن تعيد الجائحة صياغة المفهوم إثر المساعدات الحكومية الضخمة التي تسببت في طفرة الطلب.

وكان وورش قد صرح خلال جلسة اعتماده في مجلس الشيوخ بأبريل الماضي بأن التضخم «يحدث عندما تطبع الحكومة الكثير من الأموال.. وتنفق الكثير».

وأوضح التقرير أن النمو السنوي لمعروض النقد «إم 2» عاد لمستوياته الطبيعية المرصودة في عقد 2010، وأن الارتفاع الكبير في حيازات الجمهور من الأرصدة النقدية الحقيقية إبان الجائحة قد تم التخلص منه والتراجع عنه؛ ما يعزز فرضية كبح التضخم مستقبلاً.

واختتم التقرير بالإشارة إلى قواعد السياسة النقدية الاسترشادية، موضحاً أنه على الرغم من إشارة عدة نماذج رياضية إلى حاجة الاقتصاد لرفع الفائدة حالياً، فإنه يجب تفسير وتقييم هذه الوصفات بحذر تشغيلي بالغ؛ نظراً لأن المؤشرات الاقتصادية كانت ستتطور بشكل مغاير كلياً لو التزم البنك بتلك المسارات حرفياً في الماضي.

(رويترز)