CNN الاقتصادية
تاريخ النشر: قبل 19 ساعة
آخر تعديل: قبل 18 ساعة
صدمة التكنولوجيا تضرب كوريا وتهدد وول ستريت (شترستوك)
صدمة التكنولوجيا تضرب كوريا وتهدد وول ستريت (شترستوك)
تعرضت سوق الأسهم الكورية الجنوبية إلى صدمة، وسرعان ما عبرت هذه الصدمة المحيط الهادئ؛ فالرهان الذي رفع شركات الرقائق والذكاء الاصطناعي إلى مستويات قياسية بدأ يعمل في الاتجاه المعاكس، كاشفاً عن طبقة متضخمة من الديون وصناديق المؤشرات ذات الرافعة المالية، في وقت لا تزال فيه وول ستريت تتلقى الخسائر بقدر من التماسك.
وحتى الآن، تبدو التداعيات الأميركية محدودة مقارنة بما حدث في سيئول، لكن اجتماع ثلاثة عوامل وهي تراجع أسهم أشباه الموصلات، والتركز الشديد للمؤشرات الأميركية في شركات التكنولوجيا الكبرى، والاقتراض القياسي للمستثمرين، من شأنه أن يرفع احتمال تحول التصحيح القطاعي إلى موجة بيع أوسع إذا استمرت عمليات تقليص المراكز، وفق رويترز.
من طفرة تاريخية إلى هبوط يتجاوز 30%
فقد مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي أكثر من 30% من ذروته المسجلة قبل نحو شهر، بعدما كان أحد أكبر المستفيدين عالمياً من طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي والطلب على رقائق الذاكرة.
وارتفعت التقلبات الفعلية للمؤشر خلال 30 يوماً إلى أعلى مستوى منذ الأزمة الآسيوية عام 1998، فيما أصبحت التحركات اليومية التي تتجاوز 4% أكثر تكراراً.
ورغم هذا الهبوط، لا يزال كوسبي مرتفعاً بنحو 55% منذ بداية 2026، بعد صعوده 75% خلال العام الماضي، وفق تحليل نشرته رويترز؛ وهذا يعني أن المستثمر طويل الأجل ربما يحتفظ بأرباح كبيرة، بينما تتركز الخسائر الأكثر حدة بين المضاربين الذين دخلوا السوق متأخرين أو استخدموا أموالاً مقترضة.
يقف خلف تلك التقلبات وزن ضخم لشركتي سامسونغ إلكترونيكس و«إس كيه هاينكس»، اللتين تهيمنان على المؤشر بفضل موقعهما في سوق رقائق الذاكرة اللازمة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي؛ وبذلك أصبحت السوق الكورية رهينة بدرجة متزايدة لاتجاه سهمين ودورة استثمارية واحدة.
ووصفت فايننشال تايمز الوضع بأنه أقرب إلى «كازينو للمستثمرين»، مشيرة إلى أن السوق كانت مركزة بالفعل في شركتي الرقائق قبل أن تؤدي الصناديق ذات الرافعة المالية المرتبطة بالأسهم الفردية إلى تضخيم تحركات الأسعار.
أكثر من مليون مستثمر أمام طلبات الهامش
تظهر حدة الصدمة في حسابات المستثمرين الأفراد؛ فبحسب تقديرات غولدمان ساكس، تعرض أكثر من 1.2 مليون حساب تداول فردي يستخدم الرافعة المالية لطلبات تغطية هامش حتى 13 يوليو تموز، فيما جرت تصفية ما بين 320 ألفاً و360 ألف حساب بالكامل.
ويعادل عدد المتضررين نحو 3.4% من السكان البالغين، أو شخصاً واحداً تقريباً من كل 30 بالغاً في كوريا الجنوبية، كما تجاوز إجمالي ديون المستثمرين 60 تريليون وون، وفق تقرير منفصل لرويترز.
ويرى خبراء أسواق المال أن الخطر هنا لا يتوقف عند شاشات التداول، فإذا دفعت الخسائر الأسر إلى تقليص الاستهلاك أو زيادة الادخار لتعويض الأموال المفقودة، فقد تنتقل الصدمة إلى الاقتصاد الحقيقي، خصوصاً في بلد شهد إقبالاً من الشباب على الاقتراض والمضاربة باعتبارهما طريقاً مختصراً لبناء الثروة وسط ارتفاع أسعار المساكن وصعوبة امتلاك العقارات.
سيئول تتراجع عن تجربة الصناديق عالية المخاطر
دخلت صناديق المؤشرات ذات الرافعة المرتبطة بسهم واحد إلى السوق الكورية في أواخر مايو أيار، لكنها سرعان ما تحولت إلى مصدر إضافي للتقلبات.
وتستخدم هذه المنتجات المشتقات لمضاعفة الحركة اليومية للسهم الأساسي، ما يسمح بتحقيق عائد يعادل ضعفي أو ثلاثة أمثال الارتفاع، لكنه يضاعف الخسائر بالمقدار نفسه عند الهبوط.
وردت لجنة الخدمات المالية الكورية بحزمة قيود تشمل تعليق إدراج منتجات جديدة، ورفع الحد الأدنى للإيداع من 10 ملايين إلى 30 مليون وون، أي نحو 20 ألف دولار، وزيادة الحد الأدنى لوحدة التداول إلى 20 سهماً بدلاً من سهم واحد، إلى جانب تشديد متطلبات التوعية بالمخاطر.
وقالت اللجنة إن الإجراءات تستهدف حماية المستثمرين وتحقيق استقرار السوق، مع استعداد السلطات لاتخاذ خطوات إضافية، لكن التدخل جاء بعد أن أصبحت المنتجات بالفعل جزءاً من السوق، وهو ما يجعل الخروج المنظم منها أكثر تعقيداً، وفق رويترز.
وعمقّت الرافعة المرتبطة بالمستثمرين الأفراد، إلى جانب تدفقات الأجانب نحو أسهم رقائق الذاكرة، اعتماد السوق على دورة أشباه الموصلات ورفعت الحاجة إلى تنويع أوسع، وفق وول ستريت جورنال.
النسخة الأميركية أكبر وأكثر تشابكاً
لا تستخدم وول ستريت الأدوات الكورية نفسها بالحجم ذاته، لكنها تعاني من المزيج ذاته، وهو أسهم تكنولوجيا مرتفعة الوزن، ومستثمرون أفراد أكثر نشاطاً، واقتراض متزايد، ومنتجات تضاعف التحركات اليومية.
وبلغت الأصول المدارة في صناديق المؤشرات الأميركية ذات الرافعة المالية مستوى قياسياً قدره 218 مليار دولار، بزيادة 60% منذ نهاية مارس، وفق سكوت روبنر من «سيتادل سيكيوريتيز».
وقفزت الرافعة المرتبطة بصناديق التكنولوجيا 136% خلال الفترة نفسها، بينما تضاعفت نظيرتها المرتبطة بأشباه الموصلات ثلاث مرات تقريباً.
ويمثل قطاعا التكنولوجيا والرقائق معاً 67% من إجمالي أصول هذه الصناديق. ورغم أن الأصول المدارة فيها لا تتجاوز 1% من إجمالي أصول صناديق المؤشرات والصناديق المشتركة الأميركية، فإن المشكلة تكمن في سرعة تدفقاتها وتركيزها داخل الأسهم نفسها، لا في حجمها المجرد فقط.
وتحتاج صناديق الرافعة إلى إعادة موازنة مراكزها بصفة يومية للحفاظ على نسبة التعرض المستهدفة.
وفي سوق هابطة، قد تضطر إلى بيع المزيد من العقود أو الأسهم مع اقتراب نهاية الجلسة، ما يمكن أن يفاقم الحركة الأصلية، خصوصاً في القطاعات الأقل تنوعاً.
1.3 تريليون دولار من ديون الهامش
ولا يقتصر الخطر على الصناديق المتداولة؛ فقد ارتفعت أرصدة الهامش لدى شركات وساطة التجزئة، ومنها «روبن هود» و«تشارلز شواب» و«إنتراكتيف بروكرز»، إلى مستوى قياسي يعادل 1.8% من أصول العملاء في وقت سابق من العام.
وعلى مستوى شركات الوساطة المسجلة لدى هيئة تنظيم الصناعة المالية الأميركية، قدّرت غولدمان ساكس، أرصدة الهامش بنحو 1.3 تريليون دولار، بما يعادل 52% من إجمالي أرصدة العملاء، ويشمل الرقم أيضاً اقتراض المؤسسات وتمويل مراكز البيع على المكشوف، لذلك لا يمكن اعتباره كله ديوناً للمستثمرين الأفراد.
ويظهر التقدير الأحدث لديون الهامش الأميركية أنها بلغت مستوى قياسي عند 1.4 تريليون دولار في مايو أيار، بزيادة 54% على أساس سنوي، وفق بيانات «فينرا».
ويعكس اختلاف الرقمين الفترة وطريقة القياس، لكن كليهما يشير إلى الاتجاه نفسه: المستثمرون يستخدمون اقتراضاً أكبر لزيادة تعرضهم للأسهم.
الرقائق تدخل سوقاً هابطة
بدأت نقطة الضعف تظهر بالفعل، فبينما كان مؤشرا ستاندرد آند بورز 500 وناسداك أقل بنحو 2% و7% فقط من قمتيهما المسجلتين في يونيو حزيران، هبط مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات «SOX» بنحو 25% من ذروته الأخيرة، ليدخل فنياً نطاق السوق الهابطة.
وارتفعت تقلباته المحققة خلال 30 يوماً إلى أعلى مستوى منذ 2003.
ولم تنته بعد مرحلة تقليص الرافعة التي بدأت في يونيو، كما أن صناديق الأسهم ذات الرافعة قد تشهد مزيداً من خفض المراكز، بحسب فايننشال تايمز.
ويرى محللون استطلعت وول ستريت جورنال آراءهم أن موجة البيع في أسهم الرقائق طغت على نتائج قوية لبعض الشركات، في إشارة إلى أن السوق لم تعد تكافئ الأخبار الإيجابية كما فعلت خلال ذروة حماس الذكاء الاصطناعي.
تركّز المؤشرات يضاعف أثر الهبوط
ويقول خبراء أسواق المال إن الخطر الأكبر لوول ستريت لا يأتي من انتقال مباشر للخسائر الكورية، بل من تشابه البنية الاستثمارية في السوقين؛ فشركات التكنولوجيا والرقائق تمثل حصة ضخمة من المؤشرات الأميركية، ما يعني أن أي دولار جديد يدخل صندوقاً يتتبع ستاندرد آند بورز 500 يوجه جزءاً كبيراً منه تلقائياً إلى عدد محدود من الشركات.
وبحسب حسابات روبنر التي أوردتها رويترز، يذهب نحو 19 سنتاً من كل دولار مخصص للمؤشر إلى شركات أشباه الموصلات، ونحو 33 سنتاً إلى أسهم الشركات السبع الكبرى، وما يقارب 40 سنتاً إلى أكبر عشر شركات.
ووصف بوب إليوت، مؤسس شركة «أنليميتد»، هذا الوضع بأنه «تركيز للمضاربة»، يجمع بين الرافعة المالية والازدحام في الصفقات واتجاه المستثمرين نحو الأسهم نفسها، فعندما ترتفع الأسعار، تعمل هذه العناصر على تعزيز المكاسب؛ وعندما يتغير الاتجاه، تتحول إلى محرك للبيع الإجباري.
تقلبات قاسية.. لكن ليس بالضرورة أزمة مالية
وبحسب خبراء أسواق المال فلا تزال السوق الأميركية أعمق وأكثر تنوعاً وسيولة من نظيرتها الكورية، كما أن حجم صناديق الرافعة صغير مقارنة بإجمالي الأصول المالية؛ لذلك يبقى احتمال أن تتحول الأزمة إلى انهيار هيكلي شبيه بأزمات الائتمان محدوداً ما لم تنتقل الخسائر إلى النظام المصرفي أو تؤدِ إلى تعثرات واسعة لدى الوسطاء والمؤسسات، لكن غياب الخطر النظامي لا يعني غياب الخسائر، فقد تتسبب طلبات الهامش وإعادة الموازنة اليومية للصناديق وتراجع شهية المخاطرة في تسريع الهبوط وإجبار المستثمرين على البيع في توقيت سيئ، حتى لو ظلت البنية الأساسية للسوق سليمة.