يملك رئيس الوزراء البريطاني الجديد، آندي بيرنهام، هامشاً من المرونة لتطبيق بعض السياسات الاقتصادية ذات الشعبية المرتفعة دون التأثير سلباً على أسواق السندات، ومن المرجح أن يدعمه المستثمرون حتى لا يضطروا إلى مواجهة مخاطر أكبر في المستقبل. تم تأكيد تعيين بيرنهام رئيساً للوزراء، أمس الاثنين، خلفاً لكير ستارمر، ليصبح سابع رئيس وزراء للبلاد في عقد من الزمان.
وبالمقارنة مع إدارة ستارمر الحذرة للاقتصاد، يُنظر إلى بيرنهام على أنه شخصية غير تقليدية، وربما يكون مستعداً لتحمل المزيد من المخاطر لتعزيز صورته وتحسين مصداقيته لدى الجناح اليساري في حزب العمال الحاكم، دون أن يثير قلق الدائنين.
ويؤكد بيرنهام التزامه بالقواعد والأطر المالية القائمة، مع تركيزه على القضايا الداخلية الشائكة كالحكم المحلي، والدفاع، والعدالة، والصحة.
ورغم أن معدلات الفائدة على الاقتراض الحكومي البريطاني لأجل عشر سنوات لا تزال الأعلى بين دول مجموعة السبع، ظلت مستقرة نسبياً قرب 5% منذ أن أدت نتائج الانتخابات المحلية المتدنية في أوائل مايو أيار إلى مطالبات باستقالة ستارمر، بل ارتفع الجنيه الإسترليني بنحو 3% مقابل اليورو منذ ذلك الحين، مسجلاً أفضل مستوياته مقابل العملة الموحدة منذ أكثر من عام.
أما إعلان بيرنهام المفاجئ أمس الاثنين عن تعيين وزير الدفاع السابق جون هيلي وزيراً للمالية، فلم يكن له تأثير يُذكر على السوق، ويعتقد البعض أن السبب الرئيسي في ذلك هو أن القيادة المالية ستُدار على الأرجح مباشرةً من مكتب رئيس الوزراء، بدلاً من أن يكون وزير المالية هو المرجع الأساسي.
كتب جاك مينينج وسيان هينيجان من بنك باركليز في أواخر الأسبوع الماضي: «ما زلنا نرى أن السياسة الاقتصادية سينفذها وزير المالية، بينما تُصاغ من مكتب رئيس الوزراء».
عوامل تمنح بيرنهام مساحة للمناورة
حتى الحساسية تجاه بعض خطط بيرنهام ربما تكون قد تراجعت بفعل عاملين مهمين محتملين يمنحانه هامشاً من المرونة والوقت لتنفيذ أجندته دون إحداث اضطراب في سوق السندات الحكومية.
أولاً: قد يكون لدى
بنك إنجلترا مبرر لتأجيل رفع أسعار الفائدة بسبب انخفاض ضغوط التضخم، خاصةً بعد قرار خفض سقف أسعار الطاقة إدارياً في الفترة الممتدة من أول يوليو حتى نهاية سبتمبر.
وسيسهم التزام وزيرة الخزانة السابقة، راشيل ريفز، بالقواعد المالية التي تهدف إلى استقرار ديون البلاد على المدى الطويل، في طمأنة المستثمرين.
ثانياً: يشهد بنك إنجلترا أمراً غير معتاد، وهو انخفاض معدلات الاقتراض في المملكة المتحدة.
أشار جيمس سميث المتخصص في الاقتصاد البريطاني في بنك آي إن جي، أمس الاثنين، إلى أن العام الحالي شهد انخفاضاً حاداً في مبيعات
السندات الحكومية بلغ 58 مليار جنيه إسترليني، ليصل إجمالي المبيعات إلى نحو 246 مليار جنيه إسترليني فقط.
هذا الانخفاض يوفر مساحة لزيادة الاقتراض في بقية العام، ولإجراء التعديلات الضريبية والإنفاقية التي ألمح إليها بيرنهام سابقاً، بل وإعادة النظر في الميزانية بشكل أكثر طموحاً.
هاجس ليز تراس لا يغيب عن الأسواق
تكتسب الانتخابات البريطانية المُقبلة أهمية بالغة بالنسبة للأسواق، أكثر من أي وقت مضى، فإذا فشل برنامج بيرنهام في رفع شعبية حزب العمال، فإن فرص اليمين ستتحسن حتماً، لكن سيجد الكثيرون صعوبة في تجنب المقارنة مع حكومة المحافظين اليمينية الكارثية بقيادة ليز تراس عام 2022.
وكادت خطة تراس الطموحة وغير الممولة لميزانية «النمو السريع» أن تدمر سوق السندات الحكومية بالكامل قبل أن تُجبر على التراجع.
وكما أوضح صندوق النقد الدولي هذا الشهر، لا تزال آثار تلك الفترة تلقي بظلالها على سوق السندات الحكومية البريطانية حتى الآن، وهي السبب في ارتفاع «علاوة الأجل» لسندات الحكومة البريطانية.
وتعني «العلاوة» التعويض الإضافي عن مخاطر وهشاشة السوق، الذي يطلبه المستثمرون مقابل حيازة ديون طويلة الأجل.
لذا يبحث المستثمرون الآن أيهما أفضل: توسع مقبول ومعتدل من قِبل حزب العمال أم ذكريات تراس المؤلمة؟
(رويترز)