شهدت أسواق الطروحات العامة الأولية حول العالم انتعاشاً قوياً خلال النصف الأول من عام 2026، لكن هذا التعافي لم يمتد بالوتيرة نفسها إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث أدت التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسعار الطاقة إلى تضييق نوافذ الإدراج وتأجيل عدد من الصفقات المرتقبة.
وبحسب تقرير الاتجاهات العالمية للطروحات العامة الأولية للربع الثاني من 2026 الصادر عن "إرنست ويونغ"، جمعت الأسواق العالمية نحو 194 مليار دولار من 509 طروحات خلال الأشهر الستة الأولى من العام، مقارنة بنحو 62 مليار دولار من 548 طرحاً في الفترة نفسها من عام 2025.
وتعني هذه الأرقام أن حصيلة الطروحات العالمية زادت بأكثر من ثلاثة أضعاف، رغم انخفاض عدد الصفقات بنحو 7%، ما يعكس تركُّز سيولة المستثمرين في عدد محدود من الإدراجات الضخمة، بدلاً من توزيعها على عدد أكبر من الإصدارات الصغيرة والمتوسطة.
كما تضمنت الحصيلة العالمية طرحاً استثنائياً واحداً جمع نحو 86 مليار دولار في يونيو حزيران، وأسهم وحده بنحو 44% من إجمالي الأموال المحصلة عالمياً، ما يستدعي قدراً من الحذر عند قراءة قوة التعافي العالمي.
الشرق الأوسط يسير عكس الاتجاه
في المقابل، سجلت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الانخفاض الأكثر حدة بين الأسواق الرئيسية، إذ تراجع عدد الطروحات بنحو 80% على أساس سنوي، بينما هبطت حصيلتها بأكثر من 90% بحسب إرنست ويونغ.
ويكشف هذا التباين عن مسارين مختلفين لأسواق رأس المال؛ ففي الوقت الذي استفادت فيه الولايات المتحدة وآسيا من الطروحات الكبرى والطلب على الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، واجهت أسواق الشرق الأوسط حساسية أكبر تجاه التطورات الجيوسياسية وتقلب أسعار النفط واحتمالات عودة الضغوط التضخمية.
وأظهر التقرير أن نوافذ تنفيذ الطروحات في المنطقة أصبحت أقصر وأكثر تقلباً، ما دفع شركات إلى الانتظار أو تعديل جداول الإدراج، رغم استمرار وجود سيولة محلية ومؤسسات استثمارية قادرة على دعم السوق.
ولا يعني هذا التراجع اختفاء الطلب على الأصول الإقليمية في أسواق الشرق الأوسط، بقدر ما يعكس صعوبة اختيار توقيت ملائم للتسعير والتنفيذ. فالمستثمرون ما زالوا يميلون إلى الشركات ذات التدفقات النقدية القوية، ونماذج الأعمال المرنة، ومسارات النمو الواضحة، ولا سيما في قطاعات الصناعة والدفاع، والبنية التحتية، والطاقة، والتكنولوجيا.
وأوضح محمد علي ياسين الرئيس التنفيذي لشركة مزايا الغاف من لونيت، بأن نشاط الطروحات الاولية يحتاج إلى توافر عدة عوامل مرتبطة بالأسواق أولاً، وتقسيمات الشركات ثانياً، وشهية المستثمرين للمخاطر ثالثاً. مضيفً "ياسين" أنه في ظل عوامل استمرار التوترات الجيوسياسية بين إيران واميركا وتذبذب حركة الملاحة في مضيق هرمز، فان الأسواق المالية ستسعر نسبة مخاطر أعلى من الاوضاع المثالية مما يعني أن أي اصدار أولي قد لا يلاقي الإقبال المطلوب ولا التسعير الجيد المقبول من الشركات البائعة، وبالتالي ستنتظر تلك الشركات اوضاع اقتصادية أفضل للحصول على تسعير أفضل لإصداراتها الاولية من المستثمرين وخاصة المؤسسات الأجنبية.
الولايات المتحدة تقود حصيلة الطروحات
كانت الأميركتان المحرك الأكبر لقيمة النشاط العالمي، إذ جمعتا نحو 130 مليار دولار من 85 طرحاً في النصف الأول من 2026، مقابل 17 مليار دولار من 117 طرحاً قبل عام.
وبذلك قفزت قيمة الطروحات في المنطقة بأكثر من سبعة أضعاف، رغم تراجع عددها بنحو 27%. ويعود جانب كبير من هذه الزيادة إلى الطروحات العملاقة، إذ شهدت الولايات المتحدة 12 صفقة تجاوزت قيمة كل منها مليار دولار، مقارنة بأربع صفقات فقط خلال الفترة نفسها من العام السابق.
أما آسيا والمحيط الهادئ، فسجلت 247 طرحاً جمعت نحو 47 مليار دولار، مقابل 232 طرحاً بحصيلة بلغت 29 مليار دولار في النصف الأول من 2025، مدفوعة بنشاط الصين وهونغ كونغ والهند والطلب على أشباه الموصلات ومراكز البيانات والروبوتات والتصنيع المتقدم.
وفي منطقة أوروبا والشرق الأوسط والهند وإفريقيا "إيميا"، بلغ عدد الطروحات 177 طرحاً بقيمة تقارب 16 مليار دولار، مقارنة بنحو 198 طرحاً وبحصيلة مماثلة تقريباً قبل عام. لكن استقرار الحصيلة الإجمالية يخفي فجوة كبيرة داخل المنطقة؛ إذ حافظت الهند وبعض الأسواق الأوروبية على خطوط قوية من الشركات المرشحة للإدراج، بينما انكمش نشاط الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بحدة.
رأس المال الخليجي حاضر خارج المنطقة
وعلى الرغم من تباطؤ الإدراجات المحلية، واصلت مؤسسات الشرق الأوسط وصناديقه السيادية لعب دور مؤثر في الأسواق الدولية، ولا سيما في الصين وهونغ كونغ.
وأشار تقرير إرنست ويونغ إلى مشاركة مستثمرين دوليين، من بينهم صناديق ثروة سيادية ومديرو أصول من الشرق الأوسط، في دعم طروحات صينية خلال الربع الثاني، سواء كمستثمرين رئيسيين أو مستثمرين أساسيين في بناء دفاتر الأوامر.
ويشير ذلك إلى أن تراجع الطروحات الإقليمية لا يعكس انسحاب رأس المال الخليجي من أسواق الأسهم، بل تحوّل جزء منه نحو فرص خارجية، خصوصاً في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي يعيد توزيع السيولة
شكّل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز محركات شهية المستثمرين عالمياً، لكن الطلب لم يقتصر على الشركات التي تطور نماذج الذكاء الاصطناعي، بل امتد إلى أشباه الموصلات ومراكز البيانات والطاقة والروبوتات والبنية التحتية الرقمية.
واستحوذ القطاع الصناعي على نحو 25% من عدد الطروحات العالمية، لكنه مثّل قرابة 60% من حصيلتها، متأثراً بحجم الصفقة الاستثنائية المنفذة في يونيو. وجاء قطاع التكنولوجيا والإعلام والاتصالات في المرتبة التالية بحصة بلغت نحو 15% من الأموال المحصلة.
وبالنسبة إلى أسواق الشرق الأوسط، قد يتيح هذا التحول فرصة لإعادة تنشيط خط الطروحات، خصوصاً مع توسع دول الخليج في مشروعات مراكز البيانات والطاقة المتجددة والصناعات الدفاعية والخدمات الرقمية. غير أن استفادة الشركات الإقليمية ستتوقف على قدرتها على تقديم قصة استثمارية ترتبط بإيرادات وأرباح قابلة للقياس، لا بمجرد إضافة وصف الذكاء الاصطناعي إلى خططها المستقبلية.
حيث أوضح محلل الأسواق المالية لؤي بطاينة، بأن السوق العالمي أصبح أكثر توجهاً نحو الشركات الكبرى، كما تتجه الصناديق السيادية والعائلية الكبرى إلى الاستثمار فيها، مع توقعات بانتعاش سيستمر خلال النصف الثاني، خصوصاً مع بعض الإدراجات، مثل "سبيس إكس"، إضافة إلى عودة الملكية الخاصة إلى سوق الطروحات العامة الأولية، والتي تأتي ضمن ما يُعرف بمسار التخارج، إذ تستخدم هذه الصناديق الاكتتاب العام كوسيلةً للتخارج. في الوقت الذي يتزايد أيضاً الاهتمام بالتكنولوجيا، وتكنولوجيا الدفاع، والطائرات المسيّرة، والطاقة، والبنية التحتية، بعد التطور الذي شهدته تلك الصناعات خلال السنوات الثلاث الماضية.
النصف الثاني مرهون بالتوقيت
ترى إرنست ويونغ أن خطوط الطروحات العالمية لا تزال قوية، وأن النصف الثاني من 2026 قد يشهد مستويات تاريخية من جمع رأس المال، لكن تنفيذ الصفقات سيظل رهناً بأداء الطروحات الكبرى، وتقلب الأسواق، ومسار التوترات الجيوسياسية.
وفي الشرق الأوسط، تبدو السيولة المتاحة عاملاً داعماً، لكن عودة النشاط ستحتاج إلى استقرار نسبي يسمح بإعادة فتح نوافذ الإدراج. كما ستظل الشركات الكبيرة، ذات الحوكمة الواضحة والتدفقات النقدية القوية، في موقع أفضل من الشركات التي تعتمد على توقعات نمو بعيدة الأجل.
ويشير محمد علي ياسين إلى أن الأسواق المالية في الشرق الأوسط تحتاج لانحسار التوترات الجيوسياسية او حتى نهايتها، حتى نستطيع ان نشهد عودة قوية وسريعة لنشاط الاصدارات الاولية، خصوصا أن هناك عدة شركات كانت لديها موافقة هيئة سوق المال لإصدارها الأولي ولكن أوقفته نتيجة للظروف الطارئة، ويلخص "ياسين" أهم النقاط التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند أي طرح أولي في أسواق المنطقة وخصوصا بعد طول انتظار وهي:
- بيع حصة منطقية من الشركة المطروحة للاكتتاب.
- البيع بتقييم جيد ومغري وغير مغالى فيه.
- الإعلان عن توزيعات سنوية لا يقل ريعها عن 5.5٪
- وأن يكون قطاع استراتيجي ومهم بحيث تبقى الحكومة حصة مسيطرة (لا تقل عن 75٪) حتى تعطي مستقبل الشركة مصداقية وتزيد رغبة المستثمرين المؤسساتيين في المشاركة بمبالغ كبيرة.
- أن يكون التخصيص للأفراد جيد أيضاً لجذبهم للمساهمة في أي إصدار في الأسواق.
وتخلص الصورة إلى أن سوق الطروحات العالمية دخلت مرحلة تعافٍ، لكنها ليست موجة موحدة. فالولايات المتحدة تقودها بالصفقات العملاقة، وآسيا تستفيد من التكنولوجيا والسيولة المحلية، بينما يمتلك الشرق الأوسط رأس المال وقائمة من الشركات المرشحة، لكنها تنتظر توقيتاً أكثر ملاءمة لتحويلهما إلى إدراجات فعلية.