فشلت خطة وزارة الخزانة الأميركية المفاجئة لإعادة شراء السندات في تهدئة المخاوف المستمرة بشأن التضخم وتزايد الدين الحكومي، مع ارتفاع عوائد السندات اليوم الخميس، ما دفع الدولار إلى الارتفاع أيضاً. جاء تحرك وزارة الخزانة يوم الأربعاء بعدما سجلت عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل أعلى مستوياتها منذ 2007، إذ ضاعفت الوزارة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل إلى ما لا يقل عن 4 مليارات دولار لكل عملية.
وقدم التحرك، الذي جاء بعد موجة بيع حادة
للسندات طويلة الأجل، ارتياحاً فورياً لسوق كان يتعرض لضغوط بسبب المخاوف من الدين المالي والتضخم، إلى جانب منافسة الاقتراض الضخم المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
لكن المستثمرين قالوا إنهم يريدون من وزارة الخزانة اتخاذ خطوات توفر دعماً أكثر استدامة للسوق، فيما أثارت الخطة مخاوف بشأن التشوهات التي قد تتسبب فيها داخل السوق.
وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، اليوم الخميس، إنه قد يزيد مجدداً حجم سندات الخزانة التي ستعيد الحكومة شراءها.
وأوضح بيسنت أن الهدف هو دعم السيولة في جزء من السوق يتسم بانخفاض التداول، خصوصاً خلال أغسطس آب، في وقت تواجه فيه الخزانة منافسة من إصدارات ضخمة للشركات بعوائد أعلى، بما في ذلك تمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
ارتداد العوائد
قال لويس ألفارادو، الرئيس المشارك للدخل الثابت العالمي لدى معهد ويلز فارغو للاستثمار في سان فرانسيسكو، إن تحرك وزارة الخزانة سيقدم فقط «ارتياحاً قصير الأجل»، لأن العوامل الرئيسية التي تدفع العوائد إلى الارتفاع، مثل التضخم وعدم اليقين بشأن السياسة النقدية والعجوزات المالية الضخمة، لا تزال قائمة.
وأضاف أن المخاطر التي تهدد الاتجاهات طويلة الأجل ستظل تميل إلى الصعود إلى أن يحصل المستثمرون على قدر أكبر من الوضوح بشأن هذه القضايا الكبرى، وليس مجرد حل مؤقت.
ورغم أن حجم عمليات إعادة الشراء ضئيل مقارنة بسوق تبلغ قيمته 32 تريليون دولار، قال محللون إن الخطوة أظهرت حساسية الإدارة الأميركية تجاه ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل وميلها إلى التدخل في الأسواق.
وأدت تكاليف الاقتراض المرتفعة إلى زيادة معدلات الرهن العقاري، كما حظيت باهتمام واسع في الأسواق.
وقال مستثمرون إن القرار أثار أيضاً تساؤلات حول ما إذا كان مجلس الاحتياطي الفيدرالي أم وزارة الخزانة أصبح صاحب التأثير الأكبر في ظروف الائتمان العامة.
وجاء ذلك بعد أسابيع فقط من تدخل وزارة الخزانة الأميركية في أسواق العملات عبر شراء الين.
ما خيارات وزارة الخزانة؟
قال مايكل غوساي، كبير مسؤولي الاستثمار في الدخل الثابت لدى «برينسيبال لإدارة الأصول»، إن التدخلات لا تكون عادةً فعالة بدرجة كبيرة على المدى الطويل، إذ تميل العوائد بعد فترة إلى العودة إلى المستويات التي كانت عليها قبل التدخل.
وأضاف أن لدى وزارة الخزانة خيارات أخرى، لكنها من غير المرجح أن تغير الصورة كثيراً، موضحاً أن احتياجات الاقتراض تتطلب تغطية واسعة لمنحنى العائد، وبالتالي فإن هذا النوع من التغيير من غير المرجح أن يكون له تأثير ملموس على عوائد السندات طويلة الأجل.
وارتفع عائد
السندات الأميركية القياسية لأجل 10 سنوات، يوم الخميس، بمقدار 4.7 نقطة أساس إلى 4.70%، بينما صعد عائد السندات لأجل 30 عاماً بمقدار 5.5 نقطة أساس إلى 5.249%، مقترباً من أعلى مستوى في 19 عاماً البالغ 5.34% المسجل يوم الثلاثاء.
وفي اليابان، تراجعت عوائد السندات طويلة الأجل بشكل حاد، بينما كان التأثير في أوروبا أقل وضوحاً، إذ انخفض عائد السندات الألمانية لأجل 30 عاماً بشكل طفيف عن أعلى مستوى له في 15 عاماً المسجل يوم الأربعاء.
وفي سوق العملات، استعاد الدولار جزءاً من خسائره التي سجلها يوم الأربعاء، وارتفع مؤشر الدولار في أحدث تعاملات بشكل طفيف إلى 98.88 نقطة.
وكان المؤشر قد تراجع نحو 1% يوم الأربعاء بعد إعلان وزارة الخزانة، في أكبر انخفاض له خلال يوم واحد منذ مارس آذار.
وقال محللو بنك جيه بي مورغان في مذكرة إن إعلان وزارة الخزانة لا يعالج بدرجة تذكر المشكلات الأساسية التي تدفع أسعار السندات إلى الارتفاع، ومن بينها العجوزات المالية غير المستدامة وتزايد توقعات التضخم.
موجة عالمية
بلغت تكاليف الاقتراض طويلة الأجل في أنحاء العالم أعلى مستوياتها منذ عقود، مع تراكم مستويات قياسية من الدين الحكومي وسط أزمات متتالية بدأت بالجائحة ثم الحرب مع إيران، إلى جانب الحاجة إلى تمويل برامج الرعاية الاجتماعية مع تقدم السكان في العمر وزيادة الإنفاق الدفاعي.
وتؤدي تكاليف الاقتراض طويلة الأجل المرتفعة إلى زيادة أعباء فوائد الدين الحكومي، كما تمتد تداعياتها إلى الأسواق المالية، إذ تشكل العوائد معياراً مرجعياً لكل شيء، من سندات الشركات إلى الأسهم والعقارات.
وقالت وزارة المالية الألمانية لرويترز إن العدوان الروسي يرفع احتياجات التمويل اللازمة لاستثمارات دفاعية ضخمة، ما يدفع تكاليف الاقتراض إلى الارتفاع.
كما أدت قفزة العوائد إلى رفع تكاليف الاقتراض في اليابان إلى أعلى مستوياتها في ثلاثة عقود، ما زاد الضغوط على المالية الحكومية وتكلفة تمويل أجندة طموحة لتعزيز الإنفاق بهدف دعم النمو.
وفي الولايات المتحدة، تجاوز الدين الوطني 40 تريليون دولار، بعدما تضاعف أكثر من مرة منذ 2017، عندما أدى دونالد ترامب اليمين لأول مرة رئيساً للولايات المتحدة، مع لجوء البلاد إلى الاقتراض لتمويل استجابات مكلفة للجائحة، إلى جانب اختلال مستمر بين الضرائب والإنفاق.
وقال محللون إن هذه الاختلالات الأساسية ستواصل الضغط على السوق.
وقال إريك روبرتسن، الرئيس العالمي للبحوث وكبير الاستراتيجيين لدى ستاندرد تشارترد، إن ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية لا يمكن وصفه بأنه نتيجة لظروف سوق غير عقلانية أو تفاقم بسببها.
وأضاف أن الاستنتاج الوحيد الممكن هو أن العوائد وصلت إلى مستوى لا تفضله السلطات، وهو ما يشير إلى استعدادها لمحاولة السيطرة على قوى العرض والطلب الطبيعية أو التدخل فيها.
(رويترز)