تجمّع أكثر من 10 آلاف عامل من شركة فولكس فاغن في مقرها بمدينة فولفسبورغ يوم الثلاثاء، إذ قوبل الرئيس التنفيذي أوليفر بلوم بصيحات استهجان في أثناء دعوته الموظفين إلى «التكاتف» لدعم خطة إعادة هيكلة قد تؤدي إلى فقدان ما يصل إلى 50 ألف وظيفة، وفقاً لمصادر حضرت الاجتماع. وجاء ظهور بلوم في مقر
الشركة للمرة الأولى منذ الكشف عن تفاصيل الخسائر المحتملة في الوظائف وإغلاق المصانع.
بلوم: يجب على الجميع التكاتف
قال بلوم في قاعة 11 بفولفسبورغ، خلال المحطة الأولى من جولته على مصانع فولكس فاغن هذا الأسبوع: «خطتنا للمستقبل هي أكبر برنامج تحول في تاريخ شركتنا. ولتحقيق ذلك، يجب على الجميع التكاتف الآن».
وبحسب مصادر حضرت الاجتماع، قوبل خطابه بصيحات استهجان من العمال، بينما حمل المحتجون لافتات من بينها «وظائفنا ليست مجرد تعديلات في ميزانيتكم» و«الاحترام غير قابل للتفاوض».
ولم يكن
الاجتماع مفتوحاً أمام الصحافة، واضطر بعض العمال إلى متابعته عبر بث مباشر خارج المكان بسبب امتلائه.
العمال يحذّرون من تضرر الثقة بالإدارة
تحدثت دانييلا كافالو، رئيسة عمال فولكس فاغن، نيابةً عن العاملين، مؤكدة أن المصانع الألمانية «جزء لا يتجزأ» من المجموعة، ومعارضةً إغلاقها.
وقالت، وفقاً لمقتطفات من خطابها نشرها مجلس العمال، إن ثقة الموظفين في مجلس إدارة الشركة، وخاصةً في بلوم، قد تضررت.
ولا تزال خطط إعادة الهيكلة المقترحة بحاجة إلى موافقة مجلس إدارة المجموعة، حيث يتمتع ممثلو العمال وولاية ساكسونيا السفلى بنفوذ قوي.
منافسة صينية وضغوط على الأرباح
تواجه فولكس فاغن ضغوطاً متزايدة نتيجة المنافسة الشرسة من الشركات الصينية التي تتوسع بسرعة في أوروبا، إلى جانب تراجع أرباح الشركة في الصين وارتفاع تكاليف الرسوم الجمركية الأميركية.
كما تعاني المجموعة انخفاض الأرباح ووجود فائض مكلف في الطاقة الإنتاجية داخل أوروبا.
إلغاء 50 ألف وظيفة وإغلاق المصانع
أكد بلوم أن رقم 50 ألف وظيفة يستند إلى معيار نظري يهدف إلى تحقيق تكاليف تتماشى مع تكاليف المنافسين.
وقال إنه لم يُتخذ أي قرار بشأن إغلاق المصانع، واصفاً الإغلاق بأنه «الملاذ الأخير والأكثر تكلفة».
وأشار سابقاً إلى أن التوسع في قطاع الدفاع أو إنتاج طرازات فولكس فاغن مخصصة للسوق الصينية، وغير المتاحة حالياً في أوروبا، قد يوفر حلولاً بديلة لمشكلة فائض الطاقة الإنتاجية في المصانع الألمانية.
مستقبل غامض لعدد من المصانع
لم تكشف الإدارة حتى الآن عن أي تقدم ملموس بشأن هذه المقترحات، بينما من المتوقع أن يتوقف إنتاج السيارات في مصنع أوسنابروك في وقت مبكر من العام المقبل.
كما تفتقر أربعة مصانع أخرى، هي إمدن وزفيكاو ونيكارزولم وهانوفر، إلى آفاق واضحة لمستقبلها بدءاً من عام 2030.
أزمة فولكس فاغن تكشف كلفة التحول في صناعة السيارات
لا تقتصر ضغوط فولكس فاغن على المنافسة الصينية، بل تعكس تحولاً أوسع في اقتصاد صناعة السيارات الأوروبية، حيث تتزامن كلفة الانتقال إلى السيارات الكهربائية مع الحاجة إلى الاستثمار في البرمجيات والبطاريات وتقنيات القيادة الجديدة، في وقت لا تزال فيه بعض الشركات تواجه صعوبة في تحقيق عوائد كافية على هذه الاستثمارات.
ويعني ذلك أن شركات السيارات الأوروبية أصبحت مطالبة بتحقيق معادلة أكثر صعوبة: خفض التكاليف للحفاظ على هوامش الأرباح، مع استمرار الإنفاق على التكنولوجيا والمنتجات الجديدة حتى لا تتسع الفجوة أمام المنافسين الصينيين. ومن منظور المستثمرين، يصبح نجاح خفض التكلفة دون الإضرار بالقدرة على الابتكار عاملاً رئيسياً في تقييم قدرة فولكس فاغن على استعادة تنافسيتها.
أوروبا تدفع ثمن فائض الطاقة الإنتاجية
تكشف أزمة المصانع الألمانية أيضاً عن مشكلة أوسع في قطاع السيارات الأوروبي، تتمثل في ارتفاع الطاقة الإنتاجية مقارنة بحجم الطلب المتوقع في بعض الأسواق.
ويصبح هذا الفائض أكثر تكلفة عندما تتراجع المبيعات أو تنتقل حصة من السوق إلى السيارات الكهربائية ومنافسين جدد ذوي تكاليف إنتاج أقل.
وتضغط هذه المعادلة على هوامش الشركات، لأن إبقاء المصانع والعاملين رغم انخفاض الاستفادة من الطاقة الإنتاجية يرفع التكلفة لكل سيارة. لذلك، تتجه شركات السيارات إلى إعادة توزيع الإنتاج، وتقليص النفقات الثابتة، وتسريع التحول نحو مصانع أكثر مرونة، وهي خطوات قد تكون مؤلمة على المدى القصير لكنها تستهدف تحسين الكفاءة وهوامش الربحية على المدى الأطول.
المعركة لم تعد على السيارات فقط
وتزداد أهمية الصين في هذه المعادلة، ليس فقط باعتبارها سوقاً رئيسية لفولكس فاغن، وإنما باعتبارها قاعدة لمنافسين استطاعوا تطوير سيارات كهربائية بتكاليف تنافسية وسرعة أكبر في طرح الطرازات الجديدة.
وهذا يغيّر طبيعة المنافسة في الصناعة؛ فالفارق لم يعد يعتمد فقط على جودة السيارة أو حجم العلامة التجارية، وإنما يمتد إلى تكلفة البطاريات، وسرعة تطوير البرمجيات، وكفاءة سلاسل الإمداد والقدرة على خفض الأسعار. لذلك، فإن أزمة فولكس فاغن تمثل اختباراً لنموذج صناعة السيارات الألمانية بأكمله، وليس مجرد مشكلة خاصة بشركة واحدة.