العملات المستقرة تنعش الطلب على الدين الأميركي.. هل تتحول إلى خطر جديد؟

العملات المستقرة تخفف من وطأة الدين الأميركي على سياسات الفيدرالي (شترستوك)
العملات المستقرة تخفف من وطأة الدين الأميركي على سياسات الفيدرالي
العملات المستقرة تخفف من وطأة الدين الأميركي على سياسات الفيدرالي (شترستوك)

بعد أن تجاوز الدين الأميركي 40 تريليون دولار وارتفعت تكلفة خدمته إلى مستويات تاريخية، وجدت وزارة الخزانة حليفاً غير تقليدي في أسواق العملات المشفرة، وهي العملات المستقرة التي تحتاج إلى تخزين مليارات الدولارات في أذون حكومية قصيرة الأجل للحفاظ على ارتباطها بالدولار.

ما العملات المستقرة؟

العملات المستقرة (Stablecoins) هي عملات رقمية تصدرها الشركات أو صناديق الاستثمار، وتكون مرتبطة بأصول مالية مادية قابلة للتحويل لنقد في أي وقتٍ مثل العملات (دولار، يورو، إسترليني)، وسندات الخزانة، والسلع مثل الذهب والفضة والمعادن النفيسة، والعملات المشفرة مع هامش أمان؛ فهي عملات رقمية صُمّمت لتبقى مرتبطة بسعر ثابت كمخزن للقيمة، لتكون المنطقة الآمنة داخل سوق العملات الرقمية المشفرة شديدة التقلب التي تجعل من الصعب استخدام الأصول الرقمية في المدفوعات.

ويرى خبراء أسواق المال أن توسع هذه العملات سيعزز الطلب على الدين القصير الذي تعتمد عليه الخزانة بصورة متزايدة، لكن ما يبدو شبكة أمان جديدة قد يتحول إلى نقطة ضعف، إذا أصبحت الحكومة أكثر اعتماداً على صناعة رقمية قابلة لتدفقات مفاجئة وعمليات استرداد جماعية، وفق فايننشال تايمز.

مشترٍ بحجم دولة

تجاوزت القيمة الإجمالية للعملات المستقرة 300 مليار دولار خلال 2026، فيما بلغت حيازة عملة «تيثر» المباشرة وغير المباشرة من أدوات الخزانة نحو 141 مليار دولار بنهاية الربع الأول، بما يضع الشركة قرب قائمة أكبر 20 حائزاً عالمياً للدين الأميركي.

أما صندوق احتياطيات «يو إس دي سي»، الذي تديره بلاك روك لصالح شركة سيركل، فبلغ حجمه 62.3 مليار دولار في 24 أغسطس، مستثمراً أساساً في أذون الخزانة واتفاقيات إعادة الشراء الحكومية، وفق بيانات بلاك روك. وتحتفظ سيركل بمعظم احتياطياتها داخل هذا الصندوق، إلى جانب أرصدة نقدية لدى بنوك منظمة.

ويقول الخبراء إن هذا يعني أن «تيثر» وسيركل وحدهما تديران كتلة من الأصول الحكومية القصيرة تنافس حيازات دول متوسطة الحجم، وكانت رويترز قد قدرت حيازتهما المشتركة من سندات الخزانة بنحو 166 مليار دولار في منتصف 2025، قبل موجة النمو الأخيرة.

عملاق صغير داخل سوق أضخم

لا تزال العملات المستقرة، رغم توسعها السريع، بعيدة عن إنقاذ سوق الخزانة بمفردها، فقد بلغ رصيد أذون الخزانة القابلة للتداول نحو 6.99 تريليون دولار بنهاية يوليو تموز، وفق بيانات وزارة الخزانة، أي أن سوق العملات المستقرة بأكمله يعادل أقل من 5% منه.

وتبدو الفجوة أكبر عند المقارنة بالمشترين التقليديين، فقد وصلت أصول صناديق أسواق النقد الأميركية إلى 7.93 تريليون دولار في الأسبوع المنتهي في 19 أغسطس آب، بحسب معهد شركات الاستثمار.

وبلغت حيازات المستثمرين الأجانب من أدوات الخزانة 9.299 تريليون دولار في يونيو، وفق وزارة الخزانة ورويترز، رغم انخفاضها بنحو 72 مليار دولار خلال شهر.

ويرى الخبراء أن أهمية العملات المستقرة تكمن في سرعة نموها واتجاه مشترياتها، وليس حجمها الحالي فقط؛ فبينما توزع الصناديق والدول استثماراتها على آجال متعددة، تتركز احتياطيات العملات المستقرة في الأوراق التي لا يتجاوز أجلها 93 يوماً.

قانون يحوّل الدولارات الرقمية إلى طلب حكومي

عزز قانون «GENIUS»، الموقع في يوليو تموز 2025، هذه العلاقة؛ إذ ألزم العملات المستقرة بالدعم الكامل واحداً مقابل واحد، باستخدام النقد والودائع وأذون الخزانة والأدوات الحكومية التي لا يتجاوز أجلها المتبقي 93 يوماً، أو صناديق النقد المستثمرة فيها، وفق وزارة الخزانة الأميركية.

وهكذا تحولت القاعدة التنظيمية إلى قناة شبه آلية؛ فكل دولار جديد يدخل عملة مستقرة يولد، نظرياً، طلباً إضافياً على أصل حكومي قصير الأجل، وكلما انتشرت هذه العملات في المدفوعات والتحويلات الدولية، ازدادت قدرة واشنطن على تمويل نفسها من مدخرين عالميين لا يظهرون مباشرة في مزادات الدين.

ويُحذّر بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي من افتراض أن كل هذا الطلب جديد، فقد ينتقل المستثمر من وديعة مصرفية أو صندوق نقدي يمتلك أذوناً بالفعل إلى عملة مستقرة تحتفظ بالأصول ذاتها، وفي هذه الحالة يتغير الوسيط، لكن صافي الطلب على الدين الحكومي لا يرتفع بالقدر المتوقع.

راحة اليوم.. وجدار استحقاقات غداً

ويشير خبراء أسواق المال إلى أن الخطر الأعمق أن تشجع قاعدة المشترين الجديدة الخزانة على زيادة إصدار الأذون بدلاً من تثبيت التمويل عبر سندات أطول أجلاً.

ويقولون إنه صحيح أن الأذون أرخص عندما يكون منحنى العائد مواتياً، لكنها تحتاج إلى إعادة تمويل متكرر؛ ما يجعل تكلفة الدين شديدة الحساسية لأسعار الفائدة والسيولة.

وتزداد المشكلة إذا شهدت العملات المستقرة أزمة ثقة؛ فعمليات الاسترداد الكبيرة قد تجبر المُصدرين على بيع الأذون أو عدم تجديدها، بالتزامن مع حاجة الخزانة إلى ترحيل استحقاقات ضخمة.

وتُحذّر لجنة استشارات الاقتراض التابعة للوزارة من أن فقدان الثقة أو فك الارتباط بالدولار قد يفاقم تقلبات السوق.

ويؤكد خبراء أسواق المال أن العملات المستقرة لن تنقذ مالية أميركا من العجز، لكنها تمنح الخزانة مشترياً متنامياً ومربحاً للدين القصير، وأن المفارقة أن هذا الدعم قد يخفف ضغط التمويل الآن، بينما يزيد اعتماد واشنطن على استحقاقات أسرع وصناعة تتغير بوتيرة أسرع من قدرتها على تنظيمها.

live stream

الأكثر قراءة

live stream

الأكثر مشاهدة