مع انطلاق اجتماع جاكسون هول اليوم، يواجه رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفن وورش اختباراً مبكراً لقيادته، في وقت تعود فيه ضغوط التضخم إلى الواجهة وتزايدت رهانات المستثمرين على رفع الفائدة.
وقبل كلمته المرتقبة غداً، حذّر مسؤولان في الفيدرالي من استمرار التضخم، ما يزيد الضغوط على وورش لتحديد ما إذا كان ارتفاع الأسعار مشكلة تستدعي تشديد السياسة النقدية.
مع انطلاق مؤتمر جاكسون هول السنوي اليوم الخميس، حذّر رئيسا بنكَي الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي وشيكاغو، جيفري شْميد وأوستان جولسبي، من استمرار التضخم في الاقتصاد الأميركي.
وقال شميد إن مستوى الفائدة الحالي البالغ 3.50% إلى 3.75% قد لا يكون مقيداً بالقدر الكافي لتحقيق هدف الفيدرالي البالغ 2%، ما يعني أن رفع الفائدة قد يظل ضرورياً.
ووصف جولسبي استمرار التضخم بأنه مثير للقلق، محذراً من مخاطر ارتفاع تكاليف الطاقة وعدم اليقين المرتبط بالتجارة، وفي الوقت نفسه أشار إلى أن اتجاه التضخم خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة شهد بعض التحسن، وأن خفض الفائدة قد يصبح ممكناً إذا استمر هذا الاتجاه.
وتضع هذه التصريحات وورش أمام مهمة أكثر حساسية قبل خطابه المرتقب غداً الجمعة، إذ ستراقب الأسواق ما إذا كان سيعطي إشارات أكثر وضوحاً بشأن مستقبل أسعار الفائدة.
ارتفعت أسعار السيارات الأميركية بنحو 5% على أساس سنوي في يوليو، بينما زادت تكاليف الإسكان والمرافق بأكثر من 3.5%، وقفزت أسعار السلع الترفيهية بوتيرة تجاوزت النسب المئوية المكونة من رقمين، في وقت ارتفعت فيه تكلفة المعيشة بنسبة 3.7%، أي ما يقرب من ضعف المستوى الذي يستهدفه الاحتياطي الفيدرالي.
ولم يحقق البنك المركزي الأميركي هدف التضخم البالغ 2% لمدة 65 شهراً متتالياً، منذ بدأت الأسعار في الارتفاع إلى أعلى مستوى في 40 عاماً خلال عام 2021 إبان جائحة كوفيد-19، مروراً بالاقتراب من الهدف في 2024، ثم عودة الأسعار إلى الارتفاع مجدداً بعد تولي الرئيس دونالد ترامب ولايته الثانية.
ولم يُسجل تقدم يُذكر في خفض التضخم خلال العام ونصف العام الماضيين.
جاءت أحدث بيانات التضخم لتزيد من تعقيد المشهد أمام الفيدرالي، فقد ارتفع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي بنسبة 3.7% على أساس سنوي في يوليو، مقابل زيادة شهرية بلغت 0.2%، وهو ما جاء أعلى قليلاً من التوقعات.
وأدى ذلك إلى تعزيز توقعات المستثمرين بأن الفيدرالي قد يرفع أسعار الفائدة في اجتماع 15 و16 سبتمبر، أو على الأقل يصبح رفع الفائدة بحلول نهاية عام 2026 أكثر ترجيحاً.
لكن أحدث تحركات السوق اليوم تشير إلى أن رهانات رفع الفائدة في سبتمبر تراجعت مجدداً إلى نحو 34.1%، ما يعكس استمرار حالة عدم اليقين بشأن القرار المقبل.
في خطابه المرتقب غداً في الاجتماع السنوي لبنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي بولاية وايومينغ، يواجه وورش موضوعاً محورياً وهو هل يمثل التضخم الحالي مشكلة تستدعي التحرك، وما الذي ينبغي للفيدرالي فعله حيال ذلك.
وتعتبر الأسواق والمحللون الحدث اختباراً مبكراً لمدى استعداد وورش للتكيف مع بيئة اقتصادية أصبحت أكثر حساسية بشأن خططه.
ومنذ توليه منصبه، كرر وورش تعهداته بتحقيق هدف التضخم البالغ 2%، لكنه لم يوضح بشكل كبير الكيفية التي سيحقق بها ذلك، وركز بدلاً من ذلك على قضايا طويلة الأجل تخضع للدراسة من خلال خمس مجموعات عمل أنشأها الفيدرالي في بداية ولايته.
وأدى هذا الخطاب العام إلى زيادة القلق بشأن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، وما إذا كان وورش يتجنب الحديث عن احتمالات رفع الفائدة لتفادي إغضاب ترامب أو التأثير في جهود وزير الخزانة سكوت بيسنت لخفض تكاليف الاقتراض.
مثل جميع الخطب البارزة لرئيس البنك المركزي الأميركي، يتعين على وورش تحقيق توازن دقيق.
إذا قال الكثير، فقد يرفع توقعات الأسواق بشأن مسار السياسة النقدية بصورة يصعب التراجع عنها لاحقاً، وإذا قال القليل، فقد يخسر المصداقية والنفوذ لصالح مسؤولين آخرين في الفيدرالي يقدمون حججاً أكثر تفصيلاً.
وخطاب جاكسون هول سيكون أول خطاب رئيسي لوورش خارج المؤتمرات الصحفية التي عقدها بعد اجتماعي الفيدرالي في يونيو ويوليو.
وخلال المؤتمرين الصحفيين، ابتعد وورش عن الحديث التفصيلي المعتاد حول الاقتصاد والنتائج المحتملة لأسعار الفائدة، وبينما يرى وورش وآخرون أن حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية تبرر تقليل الحديث عن السياسة النقدية، هناك أيضاً شعور بأنه ذهب بعيداً في فرض قيود ذاتية على ما يسمى «التوجيه المستقبلي» للأسواق.
أبقى الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة خلال اجتماع 28 و29 يوليو ضمن نطاق 3.50% إلى 3.75%، لكن القرار شهد اعتراض ثلاثة مسؤولين فضلوا رفع الفائدة.
وأظهرت محاضر الاجتماع أن المخاوف بشأن التضخم كانت أوسع نطاقاً، كما أوضح عدد من مسؤولي الفيدرالي أن صبرهم تجاه استمرار التضخم له حدود زمنية.
وتتمثل المشكلة في أن مصداقية الفيدرالي، التي تعد من أهم أصول البنك المركزي في مواجهة التضخم، قد تتعرض للخطر إذا لم يدعم تعهداته بالعودة إلى هدف 2% برفع الفائدة، أو على الأقل بالإبقاء على احتمال رفعها إذا لم تبدأ بيانات التضخم في التحسن بالسرعة المطلوبة.
في الوقت نفسه، زادت تحركات وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل من تعقيد مهمة وورش.
فقد بدا أن رغبة وورش المعلنة في ترك مستثمري السندات يحددون الأسعار بعيداً عن «مساندة الحكومة» تتعارض مع توجه بيسنت المفاجئ نحو مزيد من التدخل في السوق.
ومع الارتفاع المستمر مؤخراً في العوائد التي يطلبها المستثمرون العالميون لإقراض الولايات المتحدة لتمويل عجز الموازنة الذي يقترب من 6% من الناتج المحلي الإجمالي، أعلن بيسنت الأسبوع الماضي، في خطوة مفاجئة، أن وزارة الخزانة ستزيد برنامج إعادة شراء الديون الذي سبق الإعلان عنه.
وكتب ستيفن بليتز، كبير الاقتصاديين الأميركيين لدى TS Lombard، قبل مؤتمر جاكسون هول، أن وورش جعل من المهم الاستماع إلى ما تقوله الأسواق، لكن بيسنت تدخل لإيقاف ذلك.
وأضاف أن الأمر يتعلق بتطبيع العوائد في ظل ارتفاع الدين الفيدرالي، وضعف النمو الحقيقي مقارنة بالجهد المبذول، والحاجة إلى رأس المال الأجنبي، مشيراً إلى أن الإنفاق الفيدرالي يساعد في إبقاء التضخم مرتفعاً، بينما لا يملك الفيدرالي نفوذاً على هذا الإنفاق.
لم يتبق قبل اجتماع الفيدرالي الشهر المقبل سوى تقرير وظائف واحد وبيانات التضخم لشهر أغسطس.
وبالنسبة إلى صناع السياسة الذين يخشون أن يؤدي استمرار تجاوز التضخم لمستهدف البنك المركزي إلى زعزعة ثقة الجمهور في قدرة الفيدرالي على السيطرة على الأسعار، فإن الوقت المتاح للتحرك أصبح محدوداً.
وقالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في بوسطن سوزان كولينز، الأربعاء، إنه إذا لم تظهر أدلة على استمرار تحسن التضخم، فإن تشديد السياسة النقدية قريباً سيكون مناسباً لضمان تحقيق استقرار الأسعار خلال فترة زمنية معقولة.
وأضافت أن الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير يتطلب استمرار وجود أدلة على أن التضخم ينخفض.
وقال كريم باستا، كبير الاقتصاديين لدى ثري آي كابيتال مانجمنت III Capital Management «بيانات اليوم لا تستوفي هذا الاختبار»، في إشارة إلى أن مسؤولي الفيدرالي قد يبدؤون في تبني موقف أكثر تشدداً، سواء بدعم من وورش أو بدونه.
ومع بداية مؤتمر جاكسون هول اليوم، أصبح التركيز منصباً على ما إذا كان وورش سيقدم أخيراً إشارات واضحة بشأن التضخم والفائدة، أم سيواصل نهجه الحذر في التواصل مع الأسواق.
وتأتي أهمية الكلمة في ظل ارتفاع عوائد سندات الخزانة، واستمرار التضخم فوق هدف الفيدرالي، وتباين المواقف داخل البنك المركزي، إلى جانب التوتر المتزايد بين توجه وورش الذي يدعو إلى ترك الأسواق تحدد أسعار الفائدة طويلة الأجل، وتحركات وزارة الخزانة لخفض تكاليف الاقتراض.
ومن المقرر أن يلقي وورش كلمته الرئيسية غداً الجمعة 28 أغسطس في الساعة 2:00 مساءً بتوقيت غرينتش، وفقاً للجدول الرسمي لبنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي.
وتنعقد نسخة 2026 من ندوة جاكسون هول للسياسة الاقتصادية في الفترة من 27 إلى 29 أغسطس، تحت عنوان «الابتكار المالي: تداعياته على المدفوعات والسياسة»، مع بحث تأثير أنظمة المدفوعات الرقمية والعملات المشفرة والعملات المستقرة في العملة والبنوك وتنفيذ السياسة النقدية والتكامل المالي العالمي.