قد يكون كيفن وورش على وشك منح دونالد ترامب شيئاً لا يريده الرئيس الأميركي، وهو رفع أسعار الفائدة قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي الحاسمة في نوفمبر. ولسنوات، مارس ترامب ضغوطاً على سلف وورش في رئاسة الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، لخفض أسعار الفائدة. ومنذ أن عيّن ترامب وورش في وقت سابق من العام، جدد الرئيس دعواته لخفض الفائدة.
لكن وورش أوضح في كلمته أمام تجمع الاقتصاديين ومحافظي البنوك المركزية في جاكسون هول يوم الجمعة أن أرقام التضخم «المقلقة» تعني أن «التركيز الأساسي للاحتياطي الفيدرالي في الوقت الحالي يجب أن يكون على الأسعار».
ويرى محللون أن أي رفع للفائدة سيضع وورش مباشرة في مرمى انتقادات ترامب.
وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة كورنيل، إسوار براساد، إن وورش «رسم خطاً واضحاً وحاداً بشأن أهدافه ونواياه»، وهو ما سيضعه مباشرة في خلاف مع مساعي ترامب لخفض الفائدة بغض النظر عن البيانات أو العواقب. وأضاف أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي أوضح بشكل «قاطع وحاسم» أنه يعتزم وضع مهمة استقرار الأسعار في صدارة أولوياته.
وورش أمام معضلة.. الأسواق أم ترامب؟
وجاء خطابه في جاكسون هول ليؤكد أنه اختار المسار الأول، إذ أعطى الأولوية لمطالب الأسواق وزملائه من صناع السياسة النقدية، وهما الجانبان اللذان انتقداه خلال الأسابيع الأخيرة لعدم توضيحه كيف يعتزم التعامل مع التضخم، الذي تجاوز هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2% لأكثر من خمس سنوات.
وقال غريغوري داكو، كبير الاقتصاديين في «إي واي بارثينون»، إن المستثمرين كانوا يريدون بقوة من وورش أن يلتزم بالمبادئ الأساسية للعمل المصرفي المركزي، وهو ما فعله.
وفي إشارة إلى ما سيأتي، بدأ وورش كلمته في ندوة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي بالإشارة إلى «جولات المشي» التي خاضها في المنتجع الجبلي مع نائب رئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق دون كوهن وبن برنانكي، الذي كان رئيسه خلال فترته الأولى في البنك المركزي الأميركي.
الأسواق ترفع رهاناتها على زيادة الفائدة
بعد استيعاب الخطاب كاملاً، رفعت الأسواق رهاناتها على زيادات أسعار الفائدة، وأصبح المستثمرون يرون أن رفع الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية في سبتمبر بات أكثر ترجيحاً من عدم حدوثه، بعدما حذر رئيس الاحتياطي الفيدرالي من أن هناك «عملاً يتعين القيام به» إذا لم تتراجع ارتفاعات الأسعار في أكبر اقتصاد في العالم قريباً.
وحققت تصريحات وورش ما كان يستهدفه، إذ حظيت بإشادة المحللين وتصفيق قوي من الحاضرين.
لكن احتمال رفع الفائدة في سبتمبر قد لا يحظى بالترحيب نفسه من رئيس أميركي أمضى الجزء الأكبر من ولايته الثانية في البيت الأبيض يطالب بخفض حاد لأسعار الفائدة.
ترامب وباول.. صدام بسبب الفائدة
دخل باول في خلاف مع ترامب بعد فترة قصيرة من بدء ولايته الأولى في 2018 بسبب قضية خفض أسعار الفائدة. وبلغت العلاقة أسوأ مراحلها بعدما فتحت وزارة العدل الأميركية تحقيقاً جنائياً مع رئيس الاحتياطي الفيدرالي آنذاك بشأن تعامله مع أعمال تجديد مقر البنك المركزي.
وقد أُغلق التحقيق منذ ذلك الحين، لكن إدارة ترامب تواصل ملاحقة محافظ الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك، مطالبة بإقالتها بسبب اتهامات تتعلق بالاحتيال في قروض عقارية، وهي اتهامات تنفيها كوك.
وقال
ترامب الأسبوع الماضي فقط إن تكاليف الاقتراض الأميركية، البالغة 3.5% إلى 3.75%، «سخيفة».
لكن وورش رفض هذا الطرح يوم الجمعة، قائلاً إنه «في المجمل، سيكون من الصعب عليه وصف الأوضاع المالية الواسعة بأنها تقييدية».
كما أوضح أنه أكثر اهتماماً بكبح التضخم من تحفيز النمو في اقتصاد قال إنه «يبدو أنه تعزز».
التضخم يضع وورش في معسكر المتشددين
استشهد وورش بمقياس للتضخم خلال ستة أشهر، ارتفع بشدة على خلفية حرب ترامب مع إيران، وأعرب عن مخاوفه من أنه رغم بقاء توقعات التضخم المستقبلية راسخة بشكل جيد، فإن ذلك قد يتغير سريعاً إذا فشل الاحتياطي الفيدرالي في السيطرة على ضغوط الأسعار.
وهناك بالفعل دعم بين بعض صناع السياسة لرفع الفائدة. ففي تصويت الاحتياطي الفيدرالي في يوليو، أيد ثلاثة من أصل 12 عضواً مصوتاً في اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة رفع الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.
وكان وورش قد أيد الإبقاء على الفائدة دون تغيير في ذلك الاجتماع، لكن روبرت سوكين، كبير الاقتصاديين الأميركيين في «بي جي آي إم»، قال إن خطاب جاكسون هول وضع رئيس الاحتياطي الفيدرالي بوضوح في معسكر المتشددين.
وقال سوكين إن الخطاب «يعيد تأكيد رؤيتنا بأن وورش هو العضو الأكثر تشدداً في اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، أو على الأقل يتقاسم هذا التصنيف».
وورش يحاول إصلاح علاقته بالبنك المركزي
كان هناك تحول آخر لافت في تصريحات وورش يوم الجمعة.
فبعد استقالته من منصب محافظ في الاحتياطي الفيدرالي عام 2011، شن هجمات متكررة على البنك المركزي الأميركي، وهو ما أثار استياء العديد من الموجودين في ندوة جاكسون هول.
لكن وورش حاول في جاكسون هول إصلاح الجسور مع كبار محافظي البنوك المركزية والاقتصاديين الموجودين في القاعة، قائلاً إن ثقة الأسواق في قدرة الاحتياطي الفيدرالي على تحقيق استقرار الأسعار تمثل دليلاً على قوة البنك كمؤسسة وتتوافق مع أفضل تقاليده.
وأضاف «يمكنني أن أؤكد لكم أنهم على حق».
هل يستطيع وورش احتواء غضب ترامب؟
يرى بعض المحللين أن وورش، الذي تربطه بترامب علاقات شخصية أقرب من تلك التي كانت تربط الرئيس بباول، قد يكون قادراً على التعامل مع أي تداعيات من البيت الأبيض.
وسعى ترامب بالفعل إلى التقليل من أهمية أي زيادات مستقبلية في الفائدة، معتبراً أنها لن تكون نتيجة آراء الرجل الذي اختاره للمنصب في يناير، بل نتيجة «لجنة فيدرالية للسوق المفتوحة ذات طابع سياسي».
وقال داكو إن الإدارة الأميركية وضعت رئاسة وورش في سياق لجنة فيدرالية للسوق المفتوحة قد تكون معادية له، وإن هذا التصور يمنح رئيس الاحتياطي الفيدرالي هامشاً أكبر للمناورة.
لكن بعض المحللين يرون أيضاً أن وورش ترك قدراً كافياً من الغموض في تصريحاته، بحيث لا يزال رفع أسعار الفائدة، وما قد يترتب عليه من غضب البيت الأبيض، أمراً غير محسوم.
وقال بيل إنجليش، الأستاذ في جامعة ييل «لقد ترك مساحة كبيرة. لا تزال هناك بيانات أخرى ستصدر».
وقال ديفيد ويسل، الزميل البارز في مؤسسة بروكينغز، إن وورش كان يقصد على الأرجح إرسال إشارة متشددة، لكنه أضاف أن إعلان الاستقلال عن ترامب يعني رفع أسعار الفائدة، وليس مجرد الحديث بلهجة متشددة.