تعمقت موجة بيع السندات العالمية خلال تعاملات الأربعاء، مع ارتفاع عوائد الديون الحكومية إلى مستويات هي الأعلى في عقود، وسط تصاعد مخاوف المستثمرين من عودة الضغوط التضخمية وارتفاع أعباء الدين الحكومي، بالتزامن مع قفزة أسعار الطاقة بفعل الحرب في الشرق الأوسط. وتكتسب تحركات سوق السندات أهمية واسعة للأسواق والاقتصادات، إذ تُعد عوائد السندات الحكومية مرجعاً لتسعير العديد من الأصول المالية. ويعني ارتفاعها زيادة تكلفة الاقتراض على الحكومات والشركات والأفراد، بما في ذلك ارتفاع أسعار الرهن العقاري، كما يضغط على موازنات الدول مع ارتفاع تكلفة خدمة الديون.
عوائد السندات تقترب من مستويات تاريخية
ارتفع
عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.81%، وهو مستوى يقترب من أعلى مستوياته في نحو 3 سنوات، فيما يراقب المستثمرون احتمال صعوده باتجاه 5%، وهو مستوى قد يزيد اضطرابات أسواق الأسهم التي تعاني بالفعل حالة من التوتر.
وفي اليابان، تجاوز عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات 3%، مسجلاً أعلى مستوى في نحو 30 عاماً، قبل أن يستقر عند 3.01% خلال تعاملات الأربعاء.
كما ارتفع عائد السندات الحكومية الأسترالية لأجل 10 سنوات إلى 5.198%، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من 15 عاماً.
وفي أوروبا، تراجعت العقود الآجلة للسندات الألمانية لأجل 10 سنوات بنحو 0.35% إلى أدنى مستوى منذ 2011، فيما هبطت العقود الآجلة للسندات الفرنسية بنحو 0.37% إلى مستوى قياسي منخفض.
وتشير هذه التحركات إلى اتساع موجة ارتفاع العوائد خارج الولايات المتحدة، مع إعادة المستثمرين تقييم المخاطر المرتبطة بالتضخم والإنفاق الحكومي وحجم الإصدارات الجديدة من الديون.
النفط يعيد إشعال مخاوف التضخم
تزامنت موجة البيع في السندات مع استمرار ارتفاع أسعار النفط، بعدما دفعت الحرب في الشرق الأوسط علاوة المخاطر في أسواق الطاقة إلى مستويات أعلى.
وصعدت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 1% خلال تعاملات الأربعاء إلى 95.61 دولار للبرميل، بعد ارتفاعها بنحو 6% في الجلسة السابقة.
ويمثل ارتفاع النفط تحدياً مزدوجاً للبنوك المركزية؛ فمن ناحية، يزيد تكاليف الطاقة والنقل والإنتاج، ما قد يعيد الضغط على التضخم، ومن ناحية أخرى قد يدفع صُنّاع السياسة النقدية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة فترة أطول أو حتى التفكير في زيادتها إذا استمرت الضغوط السعرية.
وقد انعكس ذلك على سوق السندات الأميركية قصيرة الأجل، إذ ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات أسعار الفائدة، إلى 4.41%، وهو أعلى مستوى منذ يناير 2025.
ويُسعر المتعاملون حالياً احتمال رفع الفائدة في أوروبا الأسبوع المقبل، بينما تصل احتمالات رفع الفائدة الأميركية في الأسبوع التالي إلى نحو 68%.
«حراس السندات» يعودون إلى الواجهة
تزايد الحديث في الأسواق عن عودة ظاهرة «حراس السندات»، في إشارة إلى المستثمرين الذين يضغطون على الحكومات لاتباع سياسات مالية أكثر انضباطاً عبر المطالبة بعوائد أعلى مقابل تحمل مخاطر الديون.
ويأتي ذلك مع تزايد المخاوف بشأن ارتفاع العجز المالي والدين الحكومي وتكلفة خدمة الدين في الاقتصادات الكبرى.
ويرى إدوارد يارديني، رئيس «يارديني ريسيرش»، أن المخاوف تتمثل في أن يؤدي اعتراض المستثمرين على اتساع العجز وتراكم الديون إلى دفع العوائد إلى مستويات أعلى.
لكن يارديني لا يرى أن العوائد أصبحت مرتفعة بشكل يمنع المستثمرين من شراء السندات، متوقعاً أن يظهر طلب قوي على سندات الخزانة الأميركية إذا وصل عائد أجل 10 سنوات إلى 5%، بما في ذلك من وزارة الخزانة الأميركية.
وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد تدخلت الشهر الماضي لاحتواء ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل، لكن تأثير الخطوة كان مؤقتاً، مع عودة عائد السندات لأجل 30 عاماً بالقرب من أعلى مستوياته في 19 عاماً.
الذكاء الاصطناعي يُضيف ضغطاً على سوق الديون
ولا تقتصر الضغوط على المخاوف المالية والتضخمية، إذ أسهمت موجة الاقتراض من شركات التكنولوجيا الكبرى في زيادة المعروض من الديون.
وتسعى شركات التكنولوجيا العملاقة إلى جمع مبالغ ضخمة لتمويل التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ما يُضيف إصدارات جديدة إلى سوق السندات في وقت تواجه فيه الحكومات نفسها احتياجات تمويلية كبيرة.
ويرى ناكا ماتسوزاوا، كبير استراتيجيي الاقتصاد الكلي في «نومورا سيكيوريتيز»، أن استعداد شركات التكنولوجيا الكبرى لدفع معدلات فائدة مرتفعة نسبياً يسهم في رفع العوائد عبر السوق، فيما أصبح السؤال الرئيسي هو ما إذا كان نمو الاقتصاد وإنتاجيته سيتحسنان بما يكفي لتبرير ارتفاع تكاليف التمويل.
وتكمن أهمية هذه النقطة في أن طفرة الذكاء الاصطناعي قد تبرر ارتفاع الاستثمار والاقتراض إذا تحولت مكاسب الإنتاجية إلى نمو أقوى في الأجور والاقتصاد، أما إذا لم يتحقق ذلك فقد تصبح تكلفة رأس المال المرتفعة عبئاً على تقييمات الشركات والنمو الاقتصادي.
اليابان وبريطانيا وفرنسا تحت المجهر
أصبح ارتفاع عوائد السندات اليابانية من أبرز مؤشرات التحول في أسواق الديون العالمية، بعدما كانت السندات الحكومية اليابانية لعقود من بين الأرخص عالمياً من حيث تكلفة الاقتراض.
ويتزامن صعود العوائد مع مخاوف بشأن التوقعات المالية لليابان وخطط الإنفاق والاستثمار الحكومية، فيما يؤكد ارتفاع العوائد اليابانية أن موجة إعادة تسعير الديون لا تقتصر على الولايات المتحدة.
وفي بريطانيا، وصلت العوائد إلى أعلى مستوياتها منذ 2008 يوم الثلاثاء، بينما تواجه فرنسا ضغوطاً متزايدة بسبب مسار ديونها الحكومية.
وبذلك تواجه الأسواق العالمية معادلة أكثر تعقيداً: نفط مرتفع يهدد بإعادة إشعال التضخم، وحكومات تحتاج إلى الاقتراض بكثافة، وشركات تكنولوجيا تضخ مليارات الدولارات في الذكاء الاصطناعي.
وفي حال استمرار ارتفاع العوائد، قد تمتد تداعيات موجة البيع إلى الأسهم، خصوصاً شركات النمو ذات التقييمات المرتفعة، مع ارتفاع معدل الخصم المستخدم لتقييم أرباحها المستقبلية، بينما تزداد في الوقت نفسه تكلفة خدمة الديون على الحكومات والقطاع الخاص.