الإسترليني يلمع بين عملات مجموعة العشر.. ومخاطر التراجع تلوح في الأفق

الجنيه الإسترليني يفقد زخمه مع اقتراب اختبار بنك إنجلترا (شترستوك)
رفع الفائدة لدى المنافسين يهدد مكاسب الجنيه الإسترليني
الجنيه الإسترليني يفقد زخمه مع اقتراب اختبار بنك إنجلترا (شترستوك)

بعدما كان الجنيه الإسترليني أحد أفضل عملات مجموعة العشر أداءً هذا العام، يواجه خطر فقدان جزء من مكاسبه مع اتجاه بنوك مركزية كبرى أخرى نحو رفع أسعار الفائدة، في وقت يترقب فيه المستثمرون مسار السياسة النقدية في بريطانيا وموازنة الحكومة المقبلة.

ارتفع الجنيه بنحو 1.6% أمام اليورو منذ بداية العام، كما صعد نحو 2.8% أمام الفرنك السويسري و4.9% أمام الكرونة السويدية و1% أمام الدولار الكندي.

وفي المقابل، تحرك الجنيه قرب مستويات مستقرة أمام الدولار الأميركي، بينما تراجع بنحو 1.3% أمام الين الياباني، وفقاُ لسي إن بي سي.

ويعكس هذا الأداء قوة نسبية للجنيه مقارنة بعدد من عملات الاقتصادات المتقدمة، رغم الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي شهدتها بريطانيا خلال العام.

اقتصاد بريطاني أكثر صموداً

حصل الجنيه على دعم من الأداء الأفضل من المتوقع للاقتصاد البريطاني.

ونما الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة بنسبة 0.4% خلال الربع الثاني من 2026، بعد نمو بلغ 0.6% في الربع الأول، في أداء يُعد من بين الأقوى نسبياً بين الاقتصادات المتقدمة.

وساعد تحسن إنفاق المستهلكين، إلى جانب استمرار نشاط الشركات بصورة أفضل من المتوقع، على دعم الاقتصاد رغم التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الطاقة.

كما أسهم انتقال السلطة في بريطانيا بصورة أكثر هدوءاً مما كان يخشاه المستثمرون في تخفيف بعض المخاوف المرتبطة بالمخاطر السياسية على العملة.

تغيير الحكومة لم يهز الجنيه

جاء صمود العملة رغم استقالة رئيس الوزراء كير ستارمر في يوليو، التي فتحت الباب أمام انتقال جديد للسلطة في بريطانيا.

وتولى آندي بيرنهام رئاسة الحكومة خلفاً لستارمر، ليصبح سابع رئيس وزراء للبلاد خلال عشر سنوات.

ويراقب المستثمرون مدى التزام الحكومة الجديدة بالقواعد المالية التي تهدف إلى ضبط الدين العام والإنفاق الحكومي، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف الاقتراض.

وقال ماثيو رايان، رئيس استراتيجية الأسواق لدى «إيبوري»، إن الانتقال المنظم للسلطة ساعد على إزالة جزء من علاوة المخاطر السياسية المرتبطة بالجنيه.

أسعار الفائدة قد تقلب المعادلة

لكن أحد أهم مصادر الخطر على الجنيه يأتي من السياسة النقدية.

فقد أبقى بنك إنجلترا سعر الفائدة الرئيسي عند 3.75% خلال العام حتى الآن، فيما تشير توقعات الأسواق إلى احتمالات محدودة لرفع الفائدة في اجتماع سبتمبر.

ومن المقرر أن يعلن البنك قراره المقبل في 17 سبتمبر. وكان اجتماع يوليو قد انتهى بتصويت 6 أعضاء لصالح الإبقاء على الفائدة عند 3.75% مقابل 3 أعضاء فضلوا رفعها إلى 4%.

ويعني ذلك أن الأسواق تراقب بشكل خاص لهجة البنك في اجتماعه المقبل، بعدما أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة مخاطر التضخم.

التضخم وأسعار الطاقة يمثّلان معضلة

تواجه بريطانيا ضغوطاً تضخمية مرتبطة بارتفاع أسعار النفط والغاز، وهو عامل مهم بالنسبة للاقتصاد البريطاني نظراً لتأثير الطاقة المباشر في تكاليف الشركات والأسر.

وأبقى بنك إنجلترا على الفائدة عند 3.75% في يوليو، مشيراً إلى أن التضخم تراجع إلى 2.6%، لكنه توقع ارتفاعه مجدداً خلال الفترة المقبلة نتيجة انتقال تأثير ارتفاع أسعار الطاقة إلى الاقتصاد.

كما أشار البنك إلى أن مخاطر التضخم تميل إلى الجانب الصعودي، مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن تطورات الصراع في الشرق الأوسط وأسعار الطاقة.

وتشكّل هذه المعادلة تحدياً للبنك: ارتفاع التضخم قد يدفعه إلى تشديد السياسة النقدية، لكن رفع الفائدة في اقتصاد يتسم بضعف الطلب وارتفاع تكاليف الاقتراض قد يزيد الضغوط على النمو.

لماذا قد يتعرض الجنيه لضغوط؟

تزداد مخاطر تراجع الجنيه إذا اتجهت بنوك مركزية أخرى إلى رفع الفائدة بوتيرة أسرع من بنك إنجلترا.

فعندما تصبح الأصول المقومة بعملة معينة أكثر جاذبية نتيجة ارتفاع عوائدها، قد تتحول تدفقات المستثمرين نحو تلك العملة، ما يضغط على العملات التي لا تواكب هذا المسار.

وبالتالي، فإن أي إشارات أكثر ميلاً للتيسير من بنك إنجلترا في سبتمبر قد تقلص ميزة الجنيه أمام عملات الاقتصادات الأخرى، خصوصاً إذا تحولت البنوك المركزية المنافسة إلى موقف أكثر تشدداً.

موازنة الحكومة تزيد حالة عدم اليقين

إلى جانب السياسة النقدية، تتجه الأنظار إلى الموازنة البريطانية المقبلة في 28 أكتوبر، التي ستكون أول موازنة سنوية كاملة لحكومة بيرنهام.

وقال وزير المالية البريطاني جون هيلي إن الحكومة ستظل ملتزمة بالانضباط المالي، مع التركيز في الوقت نفسه على توزيع النمو الاقتصادي بصورة أكثر توازناً بين مناطق البلاد.

لكن المستثمرين يراقبون احتمال اللجوء إلى زيادات ضريبية أو زيادة الاقتراض لتمويل خطط الإنفاق الحكومية، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف خدمة الدين.

وقد يؤدي مزيج من زيادة الاقتراض وارتفاع الضرائب وإجراءات قد تؤثّر في النمو إلى زيادة تقلبات الأسواق، إذا اعتبر المستثمرون أن السياسة المالية لا تتوافق مع قدرة الحكومة على تحمل تكاليف الاقتراض المرتفعة.

الجنيه أمام اختبار مزدوج

بعد أن استفاد الجنيه خلال الفترة الماضية من صمود الاقتصاد البريطاني وانخفاض المخاطر السياسية، يواجه الآن اختباراً أكثر تعقيداً.

فمن جهة، قد تدعم الضغوط التضخمية أسعار الفائدة المرتفعة، وهو ما يفيد العملة عادة، لكن من جهة أخرى، فإن تباطؤ الاقتصاد أو تبني بنك إنجلترا لهجة أكثر تيسيراً قد يقلص جاذبية الجنيه.

ومع اقتراب اجتماع بنك إنجلترا في سبتمبر ثم الموازنة البريطانية في أكتوبر، قد تنتقل بوصلة المستثمرين من الأداء الاقتصادي القوي نسبياً إلى الفارق بين أسعار الفائدة، ومسار التضخم، وقدرة الحكومة الجديدة على الحفاظ على الانضباط المالي.

وبذلك، فإن العملة التي كانت مفاجأة إيجابية بين عملات مجموعة العشر خلال الأشهر الماضية قد تدخل مرحلة أكثر صعوبة، خصوصاً إذا بدأت البنوك المركزية المنافسة في رفع الفائدة بينما ظل بنك إنجلترا أكثر حذراً.