الذهب ينقلب على قواعده.. كيف غير التضخم والنفط موازين المعادلة؟

سبائك ذهبية (شترستوك)
سبائك ذهبية
سبائك ذهبية (شترستوك)

تقول القاعدة التقليدية في الأسواق إن تصاعد المخاطر الجيوسياسية عادةً ما يكون داعماً للذهب، لكن ما يحدث الآن يكشف أبعاداً مختلفة.

فعندما تتحول الحرب إلى صدمة نفطية ترفع التضخم والفائدة والدولار في الوقت نفسه، قد يصبح المعدن الأصفر أحد الخاسرين لا أحد الملاذات.

هبط الذهب الفوري 1.8% الاثنين إلى 4,271.59 دولار للأوقية، مسجلاً أدنى مستوى منذ 7 أغسطس/ آب، رغم تصاعد الهجمات على منشآت الطاقة والسفن في الخليج وتعثر المسار الدبلوماسي في الشرق الأوسط، وفي المقابل، صعد النفط بنحو 4%، وفق رويترز، فيما ارتفع الدولار إلى أعلى مستوى في أسبوعين.

وبحسب خبراء أسواق المال فإن المفارقة تفسرها معادلة واحدة، وهي أن المستثمرين لا يسألون فقط «هل الحرب ستتسع؟»، بل «ماذا ستفعل الحرب بأسعار الفائدة؟».

النفط يحول الخوف إلى فائدة أعلى

قفز خام برنت إلى نحو 108 دولارات للبرميل الاثنين مع المخاوف بشأن الإمدادات، بعد هجمات على السعودية والسفن في الخليج.

ويعيد ارتفاع الطاقة تغذية التضخم الأميركي في وقت كان مؤشر أسعار المستهلكين قد ارتفع بالفعل 0.4% في أغسطس، مقابل 0.1% في يوليو تموز.

ومع ارتفاع أسعار الطاقة وتجدد مخاوف التضخم، عززت الأسواق رهاناتها على رفع الفائدة الأميركية هذا الأسبوع، لتصل احتمالات الرفع إلى نحو 89%-90% وفق رويترز وبيانات العقود الآجلة.

وبحسب خبراء أسواق المال فهنا يفقد الذهب إحدى أهم مزاياه؛ فهو أصل لا يدفع كوبوناً أو فائدة، وبالتالي تصبح تكلفة الاحتفاظ به أعلى كلما ارتفع العائد الذي يستطيع المستثمر الحصول عليه من السندات أو النقد.

وهبطت عقود الذهب تسليم ديسمبر كانون الأول بنحو 2%، مع تراجع الفضة أيضاً، تحت ضغط قوة الدولار وتوقعات رفع الفائدة، في انعكاس مباشر لتحول أزمة الطاقة إلى تشديد نقدي محتمل، وفق وول ستريت جورنال.

عندما يهزم «العائد الحقيقي» الخوف الجيوسياسي

ويرى الخبراء أن العلاقة الأهم بالنسبة للذهب ليست مع الحرب نفسها، بل مع العائد الحقيقي، أي عائد السندات بعد خصم التضخم المتوقع.

وأظهرت آخر البيانات المتاحة قبل جلسة الاثنين وصول العائد الحقيقي الأميركي لعشر سنوات إلى نحو 2.55% في 10 سبتمبر، مقارنة بـ1.69% قبل عام.

وفي جلسة الاثنين، تجاوز العائد الاسمي لسندات الخزانة لعشر سنوات مستوى 5%، للمرة الأولى منذ أكتوبر 2023، وبلغ نحو 5.01% بحسب رويترز.

وعند هذه المستويات، يواجه الذهب منافساً لم يكن موجوداً بالحدة نفسها خلال سنوات الفائدة المنخفضة، وهو أصل سيادي بالدولار يقدم عائداً مرتفعاً من دون مخاطر ائتمانية تُذكر.

وأسهم ارتفاع توقعات الفائدة المرتبط بحرب إيران وصدمة الطاقة في كسر الزخم القياسي السابق للذهب. كما رصدت الصحيفة وصول عائد الخزانة لعشر سنوات إلى 5% وسط موجة بيع عالمية للسندات، وفق فايننشال تايمز.

الدولار يفوز بسباق الملاذات

وبحسب الخبراء فإن الحرب لا تدفع الأموال إلى الذهب وحده؛ فالدولار نفسه ملاذ آمن، لكنه يمتلك هذه المرة سلاحاً إضافياً: العائد المرتفع.

ارتفع مؤشر الدولار نحو 0.6% الاثنين إلى أعلى مستوياته منذ 2 سبتمبر أيلول، وهذا يضغط على الذهب بطريقتين، يجعل المعدن أغلى للمشترين بعملات أخرى، ويوفر في الوقت نفسه للمستثمر الأميركي بديلاً سائلاً يدر عائداً، وفق رويترز.

حتى بتكوين أظهرت سلوكاً مختلفاً، فقد ارتفعت نحو 0.6% إلى 77,805 دولارات، الاثنين، لكنها لا تقدم بديلاً صافياً للذهب كملاذ؛ خبراء رويترز يشيرون إلى أن صعود العوائد واقتراب الفائدة الأميركية من الارتفاع يشكلان تهديداً أيضاً للعملة المشفرة لأنها تعتمد بدرجة كبيرة على وفرة السيولة وشهية المخاطرة.

البنوك المركزية تضع أرضية.. لا سقفاً

هناك مع ذلك مشترٍ لا يتخذ قراراته على أساس حركة الفائدة الأسبوعية: البنوك المركزية.

تظهر بيانات مجلس الذهب العالمي أن مشترياتها الصافية قفزت إلى 289 طناً في الربع الثاني من 2026، بزيادة 62% على أساس سنوي، بعدما بلغت مشتريات النصف الأول 345 طناً. وكانت بولندا والصين بين أبرز المشترين.

هذه التدفقات قد تضع أرضية هيكلية للذهب، لكنها لم تمنع تراجعات قصيرة الأجل، ففي الربع الثاني نفسه خرج نحو 45 طناً من صناديق المؤشرات المدعومة بالذهب، مع ارتفاع توقعات التضخم والفائدة وقوة الدولار.

ماذا لو استقر عائد العشر سنوات فوق 5%؟

يقول خبراء أسواق المال إن الاختبار الحقيقي يبدأ إذا تحول مستوى 5% من اختراق مؤقت إلى نطاق مستدام.

رويترز تقول إن هذا المستوى قد يجعل السندات أكثر قدرة على منافسة الأسهم على رأس المال؛ والمنطق نفسه ينطبق بصورة أشد على الذهب لأنه لا يدر عائداً.

وفي سيناريو يجمع عائداً فوق 5% ودولاراً قوياً وتشديداً إضافياً من الاحتياطي الفدرالي، سيحتاج الذهب إلى تصعيد جيوسياسي أكبر بكثير أو تراجع حاد في الثقة المالية الأميركية لاستعادة زخمه.

وبحسب الخبراء فلا يكون الذهب قد فقد صفته كملاذ آمن، لكنه يثبت أن «الخوف» وحده لا يكفي، فعندما ترفع الحرب النفط، ويرفع النفط التضخم، ويرفع التضخم الفائدة والعوائد والدولار، يصبح ثمن الاحتماء بالذهب أعلى من الخوف الذي كان يفترض أن يدفع المستثمرين إليه.

live stream

الأكثر قراءة

live stream

الأكثر مشاهدة