يُعدّ تأثير قرار الفيدرالي على الذهب من أكثر المواضيع التي تشغل المستثمرين والمتداولين في الأسواق العالمية، خاصة بعد أن أقدم الاحتياطي الفيدرالي على أول رفع لأسعار الفائدة منذ عام 2023.
فكيف انعكس هذا القرار على أسعار المعدن النفيس؟ وهل يعني رفع الفائدة بالضرورة تراجع الذهب؟
ارتفع الذهب اليوم الخميس بعد تراجع استمر ثلاثة أيام، مع تعويض سندات الخزانة الأميركية بعض خسائرها عقب قرار الرفع.
صعد المعدن النفيس بنحو 1.3% إلى قرب 4320 دولاراً للأونصة قبل أن يُقلّص مكاسبه، فيما تراجعت عوائد سندات الخزانة بعد قفزها إلى أعلى مستوى منذ 2024، وذلك في أعقاب قرار الفيدرالي بالإجماع رفع أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة.
يُنظر إلى الذهب تقليدياً على أنه وسيلة للتحوط ضد التضخم، لكن رفع الفائدة قد يُضعف جاذبيته لأنه لا يُدرّ أي عوائد.
فعندما ترتفع أسعار الفائدة، تصبح الأصول المدرة للدخل مثل سندات الخزانة الأميركية أكثر إغراءً، ما يُحوّل جزءًا من الطلب بعيداً عن المعادن النفيسة.
كذلك، يُعزّز رفع الفائدة الدولار الأميركي، وبما أن الذهب مُسعّر بالدولار، فإن ارتفاع العملة الأميركية يجعله أغلى ثمناً لحاملي العملات الأخرى، ما يُقلّص الطلب العالمي عليه.
وقد أشار الفيدرالي إلى توقعات أكثر تشدداً للسياسة النقدية، متوقعاً أن تصل أسعار الفائدة إلى نطاق 4.00%-4.25% بنهاية العام الجاري، وأن تظل عند هذا المستوى حتى 2027، ما قد يزيد الضغط على أسعار الذهب خلال الفترة المقبلة.
واجه مستثمرو الذهب تقلبات حادة خلال عام 2026؛ إذ تجاوز السعر 5500 دولار للأونصة مطلع العام، لكنه تراجع بشكل ملحوظ ليستقر عند نحو 4275 دولاراً في منتصف سبتمبر.
جاء هذا التراجع استجابةً لتغيّر توقعات المستثمرين بشأن مسار التضخم وأسعار الفائدة والأوضاع الاقتصادية العامة.
ليس بالضرورة. فالمستثمرون غالباً ما يُعدّلون محافظهم الاستثمارية قبل أن يتخذ الفيدرالي قراره، لذا قد يكون جزء من تأثير الرفع قد انعكس مسبقاً على الأسعار.
كما أن ردّ الفعل الأكبر في السوق قد يتوقف على تصريحات صانعي السياسة النقدية حول مستقبل أسعار الفائدة، أكثر من القرار ذاته.
وتُظهر البيانات التاريخية أن العلاقة بين الفائدة والذهب ليست عكسية دائماً؛ ففي سبعينيات القرن الماضي مثلاً، ارتفع الذهب إلى مستويات قياسية بالتزامن مع صعود أسعار الفائدة بشكل حاد، ما يؤكد أن عوامل أخرى قد تطغى على تأثير قرارات الفيدرالي.
إلى جانب قرار الفيدرالي، تتأثر أسعار الذهب بالعرض والطلب ومجموعة من العوامل الاقتصادية والمالية.
ويأتي التضخم في مقدمة هذه العوامل، إذ يلجأ بعض المستثمرين إلى الذهب للتحوط من تراجع القوة الشرائية للعملات.
كما يؤثر الطلب من البنوك المركزية والمستثمرين والمستهلكين، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية والجيوسياسية، في حركة المعدن الأصفر.
وتؤدي المخاطر العالمية المرتفعة عادةً إلى زيادة الاهتمام بالأصول التي ينظر إليها المستثمرون باعتبارها وسيلة لتنويع المحافظ والتحوط من تقلبات الأسواق.
بما أن الذهب مُقوّم بالدولار، فإن ضعف العملة الأميركية يُتيح للمشترين بعملات أخرى شراء كميات أكبر منه، ما يرفع الطلب والأسعار.
والعكس صحيح؛ إذ يجعل ارتفاع الدولار الذهب أغلى على هؤلاء المشترين، ما يُضعف الطلب ويضغط على الأسعار نحو الانخفاض.
يُشكّل رفع الفائدة من الاحتياطي الفيدرالي ضغطاً على أسعار الذهب في المدى القصير، لكنه ليس العامل الوحيد الذي يُحدّد اتجاه الأسعار.
فتوقعات الفائدة المستقبلية، ومستويات التضخم، وقوة الدولار، والطلب العالمي على المعادن النفيسة، والتوترات الجيوسياسية، كلها عوامل تتشابك معاً لرسم مسار الذهب في الفترة المقبلة.