تباطأت تدفقات أموال المستثمرين إلى صناديق أسواق النقد الأميركية بشكل ملحوظ هذا العام، ما أضعف الطلب على أذون الخزانة ودفع عوائدها إلى الارتفاع، وسط مخاوف من احتمال تعرض أسواق التمويل قصيرة الأجل لضغوط إذا استمر الاتجاه. وبلغ إجمالي التدفقات الداخلة إلى
صناديق أسواق النقد 158 مليار دولار فقط خلال الأرباع الثلاثة الأولى من العام، مقارنة بـ823 مليار دولار خلال 2025 بأكمله و840 مليار دولار في 2024، وفق بيانات «تي دي سيكيوريتيز».
تباطؤ الطلب يرفع عوائد الأذون
أشار محللون إلى أن تباطؤ التدفقات إلى صناديق أسواق النقد أضعف الطلب على أذون الخزانة، ما دفع عوائدها إلى الارتفاع مقارنة بمعدلات «مقايضات المؤشر لليلة واحدة» لأجل مماثل، وهي مقياس رئيسي في سوق النقد يعكس توقعات أسعار الفائدة التي تسعرها أسواق المقايضات.
وقال سام إيرل، استراتيجي أسعار
الفائدة الأميركية في «باركليز»: «إذا لم تكن صناديق النقد تتلقى تلك التدفقات، فعليها التفكير في المكان الذي تريد توظيف أموالها فيه».
ومع ذلك، لا تزال صناديق أسواق النقد مشترياً صافياً لأذون الخزانة، وإن كان الطلب قد تباطأ. وارتفعت حيازات هذه الصناديق بنحو 4% حتى نهاية أغسطس/آب مقارنة بنهاية 2025، مقابل زيادة بلغت 18% خلال العام الماضي بأكمله، وفق أحدث بيانات «معهد شركات الاستثمار».
المستثمرون يطلبون علاوة أكبر
بدأ تباطؤ الطلب ينعكس على التسعير النسبي لأذون الخزانة، إذ بات المستثمرون يطالبون بعائد إضافي للاحتفاظ بها.
وارتفعت عوائد أذون الخزانة لأجل 3 أشهر بنحو 10 نقاط أساس فوق معدلات مقايضات المؤشر لليلة واحدة لأجل 3 أشهر يوم الاثنين، بعدما سجل الفارق في الأسبوع السابق أكبر مستوى له منذ سبتمبر/أيلول 2024.
وبالنسبة إلى الأذون لأجل 6 أشهر، بلغ الفارق 11.3 نقطة أساس يوم الاثنين، بعدما وصل إلى 12.5 نقطة أساس في الأسبوع السابق، وهو أعلى مستوى منذ أبريل/نيسان 2025.
ويقيس هذا الفارق تقييم أذون الخزانة مقارنة بالمسار الضمني المتوقع لأسعار الفائدة قصيرة الأجل. ويعني ارتفاع العائد على الأذون أن المستثمرين يطلبون تعويضاً إضافياً للاحتفاظ بالدين الأميركي قصير الأجل، رغم تمتعه عادة بسيولة مرتفعة ومخاطر ائتمانية محدودة.
وقال نافيس سميث، المدير ورئيس قسم أسواق النقد الخاضعة للضريبة في «فانجارد»، إن قوة سوق الأسهم الأميركية هذا العام ساهمت في الحد من تدفقات الأموال إلى صناديق أسواق النقد، مع تراجع رغبة المستثمرين في الاحتفاظ بأموالهم في صورة نقدية.
وارتفع مؤشر «إس آند بي 500» 13% هذا العام، بينما صعد مؤشر «ناسداك» 18%.
إصدارات الخزانة تُضيف ضغوطاً
إلى جانب تباطؤ مشتريات صناديق أسواق النقد، يعكس ارتفاع عوائد أذون الخزانة توقعات بزيادة إصدارات وزارة الخزانة من أدوات الدين قصيرة الأجل خلال الربع الرابع، فضلاً عن توقعات بمزيد من رفع أسعار الفائدة من جانب الاحتياطي الفيدرالي.
وتقدر «باركليز» أن وزارة الخزانة ستصدر أذوناً بقيمة تقارب 225 مليار دولار في أكتوبر/تشرين الأول، و160 مليار دولار أخرى في نوفمبر/تشرين الثاني.
وقد يؤدي ضخ كميات كبيرة من الأوراق المالية قصيرة الأجل إلى زيادة المعروض في السوق ورفع العوائد، فيما تشهد العوائد طويلة الأجل بدورها ضغوطاً صعودية مع تكثيف إصدارات ديون الشركات لتمويل التوسع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الإنفاق المرتبط بالعجز المالي والنمو الاقتصادي المحلي.
وقال جينادي غولدبرغ، رئيس استراتيجية أسعار الفائدة الأميركية لدى «تي دي سيكيوريتيز»، إن وزارة الخزانة تحرص على تركيز جزء أكبر من إصداراتها في الجزء القصير من منحنى العائد، لكن تباطؤ المصدر الرئيسي للطلب «يثير القلق».
مخاطر على سوق التمويل القصير
قد تؤدي العوائد المرتفعة، إذا استمرت، إلى تغيير مسارات التدفقات النقدية عبر أسواق التمويل قصيرة الأجل.
فإذا نقلت صناديق أسواق النقد السيولة من سوق اتفاقيات إعادة الشراء «الريبو» لليلة واحدة إلى أذون الخزانة ذات العائد الأعلى، بالتزامن مع زيادة إصدار الأذون، فقد تتشدد ظروف التمويل، ما يدفع أسعار الفائدة في سوق الريبو إلى الارتفاع ويزيد تكاليف التمويل للمتداولين والمشاركين في السوق.
لكن المحللين يرون أنه من السابق لأوانه دق ناقوس الخطر، إذ تتسارع التدفقات الداخلة إلى صناديق أسواق النقد عادةً في الربع الرابع، عندما يجمع المستثمرون السيولة لتلبية احتياجات نهاية العام وسداد الضرائب وإعادة موازنة المحافظ.
عدم اليقين بشأن مسار الفائدة
تعكس عوائد الأذون المرتفعة أيضاً تزايد حالة عدم اليقين بشأن المسار المستقبلي لأسعار الفائدة.
وأظهرت تقديرات «إل إس إي جي» أن العقود الآجلة لأسعار الفائدة الأميركية تسعر بالفعل رفعاً واحداً للفائدة بمقدار 25 نقطة أساس هذا العام، ورفعين آخرين في 2027.
ويميل مديرو صناديق أسواق النقد إلى تقليص آجال استحقاق محافظهم عندما يتوقعون ارتفاع أسعار الفائدة، إذ تتيح الأدوات قصيرة الأجل إعادة استثمار الأموال في وقت أقرب وبعوائد أعلى إذا رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة.
وقال سميث إن حالة عدم اليقين بشأن توقعات أسعار الفائدة تخلق حافزاً طبيعياً للصناديق التي تركز على الحفاظ على رأس المال للإبقاء على استثمارات قصيرة الأجل.
وأظهرت بيانات «تي دي» أن متوسط فترة الاستحقاق المرجح لصناديق أسواق النقد انخفض إلى 36 يوماً الشهر الماضي، من ذروة بلغت 42 يوماً في مايو/أيار، لكنه لا يزال أعلى بكثير من أدنى مستوى سجله في 2022 عند 15 يوماً.
وفي الوقت الراهن، لا تشير تحركات أسعار الفائدة على أذون الخزانة إلى وجود ضغوط واضحة في آليات التمويل الأساسية.
(رويترز)