خلصت دراسة بحثية عرضها «بي بي في إيه ريسيرش» إلى أن تأثير قرارات السياسة النقدية في الطلب الاقتصادي قد يبدأ خلال أيام وأسابيع، وليس بعد عدة أرباع سنة كما توحي البيانات الفصلية، مشيرة إلى أن التأخر الأطول يظهر أساساً في انتقال الصدمة إلى المخزونات والإنتاج والتوظيف والأسعار. وعرض الباحث ألفارو أورتيز، من «بي بي في إيه ريسيرش»، النتائج خلال محاضرة افتتاحية في مؤتمر المركز الأوروبي للبحوث الاقتصادية حول مالية الأسر لعام 2026، الذي استضافه
البنك الوطني السويسري في 7 أكتوبر/تشرين الأول، تحت عنوان «الاقتصاد في الزمن الحقيقي والدقة العالية: الفجوات القصيرة للسياسة النقدية».
وتستند المحاضرة إلى 3 أوراق بحثية، من بينها ورقة «الفجوات القصيرة للسياسة النقدية» التي تخضع للمراجعة في مجلة «جورنال أوف بوليتيكال إيكونومي».
بيانات يومية تكشف سرعة استجابة الطلب
تنطلق الدراسة من إعادة النظر في المقولة التي طرحها ميلتون فريدمان عام 1961 عن تأثير السياسة النقدية «بعد فجوة زمنية طويلة ومتغيرة».
وترى الدراسة أن البيانات الفصلية قد تخفي استجابة سريعة للطلب، لأن تجميع البيانات على فترات طويلة ينقل توقيت الأثر إلى مراحل لاحقة، ولتمييز سرعة استجابة الطلب عن بطء انتقال الصدمة إلى بقية الاقتصاد، اعتمد الباحثون على بيانات عالية التكرار من إسبانيا بين عامي 2015 و2023.
وتشمل البيانات سجلات
استهلاك واستثمار لنحو 1.8 مليون عميل من الأفراد و17.4 مليون معاملة بين شركات لدى «بي بي في إيه»، إلى جانب بيانات مبيعات لنحو 60 ألف شركة كبيرة تمثل 70% من المبيعات المحلية، وبيانات التوظيف من الضمان الاجتماعي التي تغطي نحو 99% من عقود العمل النشطة.
وتقول الدراسة إن السلسلة المجمعة فصلياً للاستهلاك تقع في نطاق 1% من الاستهلاك الأسري الرسمي، مع ارتباط بلغ 0.987 بين نمو السلسلتين من ربع إلى آخر.
الاستهلاك والمبيعات تتراجع خلال أسابيع
استند الباحثون إلى 63 إعلاناً للسياسة النقدية
للبنك المركزي الأوروبي بين أغسطس/آب 2015 وأكتوبر/تشرين الأول 2023 لتحديد صدمات السياسة النقدية.
وأظهرت النتائج أن
المبيعات تبدأ في التراجع بشكل ذي دلالة من اليوم الرابع وفق التقدير الخام، ومن اليوم العشرين في التقدير المنعّم، قبل أن تصل إلى أدنى نقطة محلية عند انخفاض نسبته 0.50% في اليوم 51.
أما الاستهلاك، فيبدأ تراجعه بشكل ذي دلالة خلال الأسبوع الأول في التقدير الخام، أو قرب اليوم 21 في التقدير المنعّم، ويصل إلى أدنى مستوى عند انخفاض نسبته 0.39% في اليوم 44.
وكانت استجابة الاستثمار أكثر تقلباً، مع تسجيل أدنى نقطة قصيرة الأجل عند انخفاض نسبته 0.36% في اليوم 34.
في المقابل، جاءت استجابة التوظيف أبطأ بكثير، إذ بلغ التراجع 0.11% بعد ثلاثة أشهر، قبل أن يصل إلى أقصى انخفاض عند 0.22% في اليوم 365.
وبعد عام، قدرت الدراسة المضاعفات التراكمية للسياسة النقدية عند نحو 0.5 للاستثمار، و0.3 للمبيعات، و0.2 للاستهلاك، و0.1 للتوظيف، جميعها في الاتجاه الانكماشي.
السلع الكمالية والقطاعات القريبة من المستهلك تتأثر أولاً
تظهر آثار الصدمة بشكل غير متساوٍ بين فئات الإنفاق، إذ تتراجع السلع المعمرة وشبه المعمرة والكماليات بسرعة أكبر، بمتوسط يتراوح بين 1% و2% خلال أول 60 يوماً، وتشمل الملابس والنقل والترفيه والمطاعم والفنادق والصحة والتعليم.
في المقابل، تظل الضروريات أقل تأثراً على مختلف الآفاق الزمنية.
كما تختلف سرعة الاستجابة بين القطاعات، إذ تتأثر القطاعات الواقعة في مراحل الإنتاج الأقرب إلى المستهلك النهائي خلال نحو شهر، ويكون انخفاضها في أدنى نقطة أعمق بنحو ثلاثة أمثال مقارنة بالقطاعات الواقعة في المراحل السابقة من سلسلة الإنتاج.
ولا تظهر استجابة ذات دلالة في القطاعات المنبعّية إلا بعد نحو 60 يوماً، وفقاً للدراسة.
المخزونات تفسر جزءاً من الفجوة بين الطلب والإنتاج
تفسر الدراسة هذا التسلسل من خلال انتقال الصدمة عبر سلسلة الإنتاج، فعندما تنخفض المبيعات خلال أسابيع، لا يتراجع الإنتاج بالسرعة نفسها، ما يؤدي إلى تراكم المخزونات.
ويظهر فائض المخزون لدى تجار التجزئة خلال الشهر الأول، قبل أن يبدأ الإنتاج في التراجع وينخفض المخزون بنحو 2% بحلول نهاية العام.
أما المصنعون، فتظهر آثار الصدمة عليهم بعد نحو ثلاثة أشهر، عندما يبدأ تجار التجزئة في خفض طلباتهم، ما يوضح كيف يمكن أن يكون الطلب النهائي سريع الاستجابة بينما يتأخر أثر الصدمة على الإنتاج والتوظيف.
التوظيف والأسعار تتأخر حتى عام
تظهر الفجوة الزمنية بصورة أوضح في سوق العمل، إذ لا تستجيب العقود الدائمة، التي تمثل نحو 84% من إجمالي العقود، إلا قرب نهاية السنة الأولى.
أما العقود المؤقتة فتُعدل بصورة أسرع، وتستمر استجابتها لنحو خمسة إلى ستة أشهر.
وتشير الدراسة كذلك إلى أن أثر السياسة النقدية على الأسعار يتأخر، إذ يبلغ انخفاض مؤشر أسعار المستهلك داخل السنة نحو 0.2 نقطة مئوية عند الشهر 11، فيما لا تظهر تسع فئات من أصل 11 استجابة في الأجل القصير.
الأسر تستجيب للائتمان وأسعار المنازل مبكراً
تُظهر النتائج المتعلقة بالائتمان أن الأسر تبدأ الاستجابة أسرع من الشركات. وينخفض ائتمان الأسر بنسبة 0.37% في الشهر الأول، ويصل التراجع إلى 0.79% بعد عشرة أشهر، بينما لا تبدأ استجابة ائتمان الشركات إلا بدءاً من الربع الثاني.
كما تبدأ أسعار المنازل في الانخفاض من الشهر الثالث، وتصل إلى أدنى نقطة عند تراجع نسبته 0.35% في الشهر السادس.
وفي تحليل منفصل يعتمد على 1.7 مليون عميل بين يوليو/تموز 2021 ومايو/أيار 2025، وجدت الدراسة أن المقترضين العقاريين يخفضون إنفاقهم بمقدار إضافي قدره 0.12 نقطة مئوية مقارنة بغير المقترضين، مع بلوغ الأثر ذروته بعد 3 أشهر.
وتؤكد الدراسة أن هذه النتيجة وصفية وليست دليلاً على علاقة سببية.
البيانات الفصلية قد تخفي الأثر المبكر
تطلق الدراسة على المشكلة اسم «انحياز التجميع الزمني»، إذ يؤدي تحويل البيانات اليومية إلى بيانات فصلية إلى إزاحة الاستجابة نحو آفاق زمنية لاحقة، بما قد يجعل الأثر السريع للسياسة النقدية يبدو أبطأ مما هو عليه فعلياً.
وفي ألف محاكاة لمونت كارلو، وجدت الدراسة أن تقدير الاستجابة باستخدام بيانات الاستهلاك الفصلية يميل إلى 0.167، مقابل استجابة حقيقية تبلغ سالب 0.281 في الربع الأول، ما يشير إلى تقليل حجم الأثر الفوري وإزاحة توقيت ذروته.
النتائج لا تقتصر بالضرورة على إسبانيا
تشير المحاضرة إلى أدلة من دول أخرى تدعم وجود استجابة أسرع للطلب، فقد انخفض الإنتاج الصناعي الإسباني بنسبة 0.30% عند وقوع الصدمة وبنسبة 0.72% بعد شهر، وهي نتائج تقع بين تقدير سابق للولايات المتحدة بلغ 0.89% وتقدير لمنطقة اليورو بلغ 0.53%.
كما توصلت دراسة أخرى إلى استجابات سريعة وكبيرة لإنفاق بطاقات الائتمان في ألمانيا، ما يشير إلى أن ظاهرة الفجوات القصيرة قد لا تقتصر على إسبانيا.
وتقول المحاضرة إن النتائج تظل مستقرة إلى حد كبير عند تغيير أساليب التعديل الموسمي وطرق تحديد الصدمات، مع حساسية أكبر نسبياً في نتائج الاستثمار.
فريدمان لا يُلغى بل يُعاد تفسيره
لا تنفي الدراسة وجود فجوات طويلة بين قرارات السياسة النقدية وظهور آثارها الكاملة على التوظيف والأسعار، لكنها تعيد تفسير مصدر هذا التأخر، معتبرة أن الطلب النهائي قد ينكمش بسرعة، بينما ينتقل الأثر تدريجياً عبر المخزونات وشبكات الإنتاج وسوق العمل إلى أن يظهر بالكامل في الأسعار والتوظيف.
وبحسب هذا التصور، فإن تقييم السياسة النقدية اعتماداً على البيانات الفصلية وحدها قد لا يلتقط توقيت الاستجابة الفعلي للطلب، بينما تتيح بيانات المعاملات اليومية والأسبوعية والشهرية رصد الأثر بين اجتماعات البنوك المركزية وبدرجة أعلى من الدقة.
وتبقى النتائج، وفقاً للمادة البحثية المعروضة، مستندة أساساً إلى بيانات إسبانيا خلال الفترة من 2015 إلى 2023 وإلى تقديرات لصدمة نقدية تعادل انحرافاً معيارياً واحداً، فيما تخضع إحدى الأوراق البحثية للمراجعة الأكاديمية.