نفت كوريا الشمالية مسؤوليتها عن الهجوم الإلكتروني الذي استهدف منصة تداول العملات المشفرة «بينانس»، وأسفر عن سرقة أصول تقدر قيمتها بنحو 6.3 مليار دولار، ووصفت اتهامات مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي «إف بي آي» بضلوع جهة مرتبطة بها في العملية بأنها «استفزاز سياسي خطير»، في تصعيد جديد للخلاف بين واشنطن وبيونغ يانغ بشأن الهجمات الإلكترونية وسرقة الأصول الرقمية. وقالت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، في بيان الثلاثاء، إن الولايات المتحدة تحاول تصوير بلادها باعتبارها «دولة إجرامية إلكترونياً»، بعدما أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي امتلاكه معلومات تفيد بتورط مجموعة قرصنة مدعومة من كوريا الشمالية في اختراق المنصة.
وأضافت، وفقاً لما نقلته وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية وأعادت نشره وكالة «يونهاب» الكورية الجنوبية، أن واشنطن تضلل الرأي العام الدولي عندما تنسب إلى كوريا الشمالية الجرائم الإلكترونية التي تقع في مناطق مختلفة من العالم، معتبرة أن هذه الاتهامات تستهدف الإضرار بسمعة البلاد.
ولم تقتصر تصريحات كيم على نفي الاتهام، بل شككت أيضاً في دوافع واشنطن، مشيرة إلى أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلنت خططاً لمصادرة العملات المشفرة غير المشروعة واستخدامها ضمن احتياطي استراتيجي، واعتبرت أن معرفة الجهة التي ستؤول إليها العملات المسروقة قد تقدم، بحسب تعبيرها، مؤشراً على الطرف المسؤول عن الاختراق.
ويأتي النفي بعد أيام من اضطراب واسع في عمليات «بينانس»، أكبر منصة لتداول العملات المشفرة في العالم، عقب اكتشاف عمليات سحب غير مصرح بها، وما تبعها من تعليق مؤقت لبعض خدمات السحب، وتحركات لتجميد أصول مرتبطة بالهجوم.
من اختراق المنصة إلى اتهام «تريدر ترايتور»
بدأت الأزمة في 29 أكتوبر، عندما أعلنت «بينانس» اكتشاف عمليات سحب غير مصرح بها بقيمة تقارب 6.3 مليار دولار، وأشارت الشركة في البداية إلى احتمال ارتباط الاختراق باختراق حاسوب محمول يستخدمه أحد مهندسي عمليات التطوير والتشغيل، لكنها قالت لاحقاً إنها حددت نقاط اختراق إضافية.
وأكدت المنصة أنها لم تجد أدلة على تسريب المفاتيح الخاصة بالمحافظ الرقمية، وهي بيانات تتيح التحكم في الأصول المشفرة ونقلها، ويكتسب هذا التفصيل أهمية في تحديد طبيعة الاختراق، إذ يشير إلى أن الشركة لم تربط الحادث، وفق نتائج تحقيقها المعلنة آنذاك، باختراق مباشر للمفاتيح التي تحمي المحافظ.
وعقب اكتشاف الحادث، علقت «
بينانس» عمليات السحب مؤقتاً، وقالت إنها تمكنت من تجميد أصول بقيمة تقارب 3 مليارات دولار، في إطار جهودها للتحقيق في الهجوم والحد من حركة الأموال المرتبطة به.
وفي 31 أكتوبر، أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي مسؤولية كوريا الشمالية عن السرقة، وحدد العملية باسم «تريدر ترايتور»، وهو اسم سبق أن استخدمته الوكالة للإشارة إلى عمليات سرقة للعملات المشفرة مرتبطة بجهات كورية شمالية.
وقال المكتب إنه رصد قيام الجهات المنفذة بتحويل الأصول المسروقة بصورة أساسية إلى عملة إيثريوم، وحث الشركات العاملة في قطاع العملات المشفرة على منع المعاملات المرتبطة بعناوين المحافظ الرقمية التي حددها ضمن تحذيره.
ويظل هناك فارق بين الاتهام الأميركي والنفي الكوري الشمالي؛ فالأول يستند إلى ما قال مكتب التحقيقات إنه معلومات ورصد لعمليات تحويل الأصول، بينما لم يقدم البيان الكوري الشمالي تفاصيل فنية مضادة تثبت روايته أو تحدد جهة أخرى مسؤولة عن الاختراق.
عودة السحب تكشف حجم الضغوط على المنصة
وبعد تعليق عمليات السحب، بدأت «بينانس» في الأول من نوفمبر إعادة الخدمة تدريجياً، لكنها واجهت موجة كبيرة من خروج الأموال مع استئناف العمليات.
وقالت المنصة إن صافي التدفقات الخارجة بلغ نحو 3.64 مليار دولار خلال أقل من 10 ساعات من بدء استعادة عمليات السحب، ويعكس هذا الرقم حجم التحركات المالية التي شهدتها المنصة خلال فترة قصيرة، لكنه لا يعني بالضرورة أن كامل المبلغ يمثل أصولاً مسروقة؛ إذ يشمل صافي خروج الأصول من المنصة خلال الفترة المعلنة.
وتبرز هذه التطورات التحدي الذي تواجهه منصات تداول العملات المشفرة عند وقوع اختراقات واسعة النطاق، إذ لا يقتصر التأثير على قيمة الأصول التي يجري الاستيلاء عليها، بل يمتد إلى ثقة العملاء واستقرار عمليات التداول والسحب، خصوصاً عندما تضطر المنصة إلى تعليق التحويلات أو تقييدها مؤقتاً.
كما أن تجميد بعض الأصول لا يعني استعادة كامل المبلغ المسروق، إذ تتوقف إمكانية استرداد العملات المشفرة على تتبع مساراتها، ومدى قدرة الجهات المعنية على منع نقلها أو تحويلها عبر محافظ ومنصات أخرى.
اتهامات متكررة تضع العملات المشفرة في قلب التوترات
يعيد الخلاف بين واشنطن وبيونغ يانغ تسليط الضوء على الاتهامات الأميركية المتكررة لجهات كورية شمالية بالضلوع في سرقات إلكترونية تستهدف العملات المشفرة، ويشير استخدام مكتب التحقيقات الفيدرالي اسم «تريدر ترايتور» إلى أن الوكالة تربط الحادث بنمط من العمليات سبق أن نسبته إلى جهات مرتبطة بكوريا الشمالية.
وفي المقابل، تحاول بيونغ يانغ نفي هذه الصلة، وتطرح الاتهامات في سياق سياسي، معتبرة أنها جزء من مساعٍ أميركية لتشويه صورتها، كما ربطت كيم يو جونغ بين اتهامات السرقة وخطط واشنطن للتعامل مع العملات المشفرة المصادرة، من دون تقديم أدلة تثبت أن الجهة المستفيدة من تلك الأصول تقف وراء الاختراق.
وتكشف القضية عن تداخل متزايد بين الأمن السيبراني وأسواق الأصول الرقمية، إذ يمكن لهجوم واحد أن يؤدي إلى تجميد عمليات مالية بمليارات الدولارات، ويضع منصات التداول أمام اختبار يتعلق بحماية أصول العملاء واستمرارية الخدمات، فضلاً عن التعاون مع الجهات التنظيمية والأمنية لتعقب الأموال المسروقة.
وبين الاتهام الأميركي والنفي الكوري الشمالي، تظل المسؤولية عن الاختراق موضع خلاف بين الطرفين، بينما تواجه «بينانس» تحدياً مزدوجاً يتمثل في متابعة الأصول المسروقة واستعادة ثقة المستخدمين بعد موجة السحب الكبيرة التي أعقبت عودة الخدمات.