ارتفعت أسعار سندات الخزانة الأميركية خلال تعاملات الأربعاء، مع سيطرة الحزب الديمقراطي على مجلسي الشيوخ والنواب، في تطور دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مسار الإنفاق الحكومي والسياسات المالية خلال العامين المقبلين، وسط توقعات بأن يؤدي الانقسام السياسي في واشنطن إلى الحد من خطط التوسع في الإنفاق، وتأجيل المزيد من التخفيضات الضريبية. وتراجعت عوائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات، وهي المعيار الرئيسي للاقتراض طويل الأجل، بمقدار 2.1 نقطة أساس إلى 4.9291 في المئة، فيما انخفضت عوائد السندات لأجل عامين بنحو 1.2 نقطة أساس إلى 4.6017 في المئة.
وكانت العوائد قد سجّلت تراجعاً أكبر في وقت سابق من الجلسة، لتصل إلى أدنى مستوياتها في نحو شهرين، بالتزامن مع تراجع أسواق الأسهم، قبل أن تقلص خسائرها مع تحول مؤشرات الأسهم العالمية إلى الارتفاع.
ويعني تراجع العوائد ارتفاع أسعار السندات، إذ تتحرك الأسعار والعوائد في اتجاهين متعاكسين. ويعكس هذا التحرك زيادة الطلب على أدوات الدين الأميركية، مع اتجاه المستثمرين إلى تقييم التداعيات المحتملة لفقدان الجمهوريين السيطرة على الكونغرس.
تراجع الإنفاق الحكومي يدعم السندات
يرى محللون أن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس قد تحد من قدرة الرئيس دونالد ترامب على تمرير خطط الإنفاق والتوسع المالي، خصوصاً مع وجود خلافات متوقعة بين البيت الأبيض والأغلبية الجديدة بشأن الموازنة والضرائب.
ومن بين العوامل التي عزّزت مكاسب السندات تراجع احتمالات تنفيذ وعد انتخابي قطعه ترامب بتوزيع 5 آلاف دولار على كل مواطن أميركي بالغ، في حال احتفاظ الجمهوريين بالسيطرة على الكونغرس.
وكان من شأن هذا المقترح، وفق التقديرات الواردة في تقرير «رويترز»، أن يكلّف نحو 1.2 تريليون دولار، بما يعادل 16 في المئة من الموازنة الاتحادية الأميركية، وهو ما كان سيضيف ضغوطاً على الإنفاق الحكومي والاحتياجات التمويلية، في وقتٍ تواجه فيه الولايات المتحدة مستويات مرتفعة من الدين العام.
وقال أندرو ليلي، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة في بنك بارينجوي، إن احتمال تنفيذ هذا المقترح كان يمثّل خطراً محدوداً، لكنه لم يعد مطروحاً بالقدر نفسه بعد نتائج الانتخابات، مضيفاً أن تنفيذه كان سيؤدي إلى رد فعل حاد في سوق سندات الخزانة.
وأضاف أن وجود رئيس جمهوري في مواجهة كونغرس يسيطر عليه الديمقراطيون قد يعطل خطط الإنفاق، وربما يؤدي إلى خفض محدود في إجمالي الإنفاق الحكومي.
تنظيم الذكاء الاصطناعي يغير توقعات الفائدة
إلى جانب الإنفاق الحكومي، دخل مستقبل قطاع الذكاء الاصطناعي ضمن العوامل المؤثرة في حركة السندات، إذ يرى محللون أن زيادة النفوذ الديمقراطي قد تفتح المجال أمام تشديد الرقابة والتنظيم على الشركات العاملة في هذا القطاع.
وقد يؤدي ذلك إلى إبطاء وتيرة التوسع في استثمارات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، بما قد يحد من النمو الاقتصادي المتوقع، ويقلل الضغوط على الطلب والتضخم، وبالتالي يخفف الحاجة إلى مزيد من التشديد النقدي من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.
وقال ليلي إن فرص فوز الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية لعام 2028 تبدو أكبر بعد نتائج الانتخابات النصفية، وإن ذلك قد يمهد لمزيد من التنظيم لقطاع الذكاء الاصطناعي، وهو ما قد ينظر إليه الاحتياطي الفيدرالي باعتباره عاملاً يقلل الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة.
وفي السياق نفسه، أظهرت بيانات مجموعة بورصات لندن تراجعاً طفيفاً في توقعات أسواق المال بشأن زيادات أسعار الفائدة الأميركية خلال العام المقبل، في إشارة إلى أن المستثمرين بدأوا في تعديل رهاناتهم على مسار السياسة النقدية في ضوء المتغيرات السياسية والاقتصادية الجديدة.
وعادة ما تستفيد السندات من تراجع توقعات رفع الفائدة، إذ تصبح عوائد الإصدارات القائمة أكثر جاذبية مقارنة بالإصدارات الجديدة المحتملة، كما تتراجع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بأدوات الدين ذات العائد الثابت.
الدولار وأسهم التكنولوجيا تحت ضغط التحولات
امتد تأثير تراجع عوائد السندات إلى سوق العملات، إذ تعرض الدولار الأميركي لضغوط مع انخفاض العوائد، بينما شهدت أسهم شركات التكنولوجيا تقلبات، وسط مخاوف المستثمرين من أن تؤدي زيادة القيود التنظيمية على الذكاء الاصطناعي إلى إبطاء نمو القطاع.
وقال براشانت نيواناها، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة في بنك تي دي للأوراق المالية بسنغافورة، إن السندات كانت المستفيد الأبرز من تحركات الأسواق، مع تراجع جاذبية الرهانات الاستثمارية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وارتفاع احتمالات تجميد المزيد من التخفيضات الضريبية وتباطؤ الإنفاق الحكومي.
ويعكس هذا التباين اختلاف تقييم المستثمرين لتأثير النتائج الانتخابية على القطاعات الاقتصادية؛ ففي حين قد تستفيد السندات من توقعات الإنفاق الأقل وتراجع الضغوط التضخمية، تواجه شركات التكنولوجيا احتمال زيادة التدقيق التنظيمي، وهو ما قد يؤثر على توقعات نموها وتقييماتها السوقية.
الحرب مع إيران تبقي مخاطر التضخم قائمة
رغم المكاسب التي حققتها السندات، حذر محللون من أن تراجع عوائدها لا يعني انتهاء المخاطر التضخمية، خصوصاً مع استمرار التوترات الجيوسياسية واحتمالات تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران.
وتظل أسعار النفط أحد أبرز العوامل التي تراقبها أسواق السندات، إذ إن أي تصعيد عسكري قد يدفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع، بما يزيد تكاليف النقل والإنتاج ويعيد الضغوط التضخمية إلى الاقتصاد الأميركي، وهو ما قد يغير توقعات أسعار الفائدة مجدداً.
وقالت جانيت موي، رئيسة تحليل الأسواق في آر بي سي بروين دولفين، إن احتمالات تجدد الضربات الأميركية لا تزال تشكل مصدر قلق للأسواق، لما قد تحمله من تداعيات كبيرة على أسعار النفط والتضخم ومعنويات المستثمرين.
وبذلك، تستفيد سندات الخزانة الأميركية في الوقت الحالي من توقعات تراجع الإنفاق الحكومي واحتمالات تشديد تنظيم الذكاء الاصطناعي، لكن استمرار التوترات الجيوسياسية وأسعار الطاقة المرتفعة المحتملة يبقي مسار التضخم والسياسة النقدية مفتوحاً على احتمالات متعددة.