تستعد شركات ومسؤولو قطاع العملات المشفرة لمواجهة تداعيات سياسية وقانونية محتملة، بعد تحقيق الحزب الديمقراطي فوزاً كبيراً في انتخابات التجديد النصفي الأميركية، وتعهد أعضائه بفتح تحقيقات بشأن عائلة الرئيس دونالد ترامب وعلاقاتها بالقطاع. وجعل
الديمقراطيون من اتهامات الرئيس باستغلال منصبه لتحقيق مكاسب شخصية، وما وصفوه بـ«المدفوعات المرتبطة بالعملات المشفرة»، قضية محورية في الانتخابات، ما ساعدهم على تحقيق انتصارات في معاقل جمهورية بمختلف أنحاء الولايات المتحدة.
وكان ترامب قد تعهد بتحويل الولايات المتحدة إلى «عاصمة العملات المشفرة في العالم»، واتبع منذ توليه منصبه العام الماضي سياسة واسعة لإلغاء القيود التنظيمية المفروضة على القطاع، كما وقّع تشريعات تاريخية رحبت بها الشركات العاملة فيه، وأصدر عفواً عن مسؤولين تنفيذيين، من بينهم المؤسس المشارك لمنصة «بينانس» تشانغبينغ تشاو، الذي سُجن بعد إقراره بالذنب في قضية تتعلق بالإخفاق في منع عمليات غسل الأموال.
لكن الأصول الرقمية حققت أيضاً أرباحاً كبيرة لترامب شخصياً، إذ تجاوزت عائداته من مبيعات العملات المشفرة وعوائد الرموز الرقمية 1.16 مليار دولار العام الماضي.
وباع
ترامب عملات رقمية من فئة «ميم كوين»، وأطلق مشروعات للعملات المشفرة خضعت للتدقيق بسبب استثمارات أجنبية فيها، كما قبل تبرعات من مسؤولين تنفيذيين في القطاع لمشروعات، من بينها قاعة الاحتفالات الجديدة في البيت الأبيض.
التحقيقات المتعلقة بعائلة ترامب وأرباحها من العملات المشفرة
وقال النائب الديمقراطي روبرت غارسيا، الذي سيتولى رئاسة لجنة الرقابة بمجلس النواب بدءاً من يناير، إنه وزملاءه الديمقراطيين سيركزون «بشكل مكثف» على التحقيقات، بما فيها التحقيقات المتعلقة بعائلة ترامب وأرباحها من العملات المشفرة.
وأضاف غارسيا يوم الأربعاء: «الرئيس نفسه لديه مخطط للعملات المشفرة يجني منه مليارات الدولارات.. هذه العائلة أصبحت أكثر ثراءً بمليارات الدولارات».
ويمثل فوز الديمقراطيين بداية مرحلة قد تكون صعبة بالنسبة إلى قطاع العملات المشفرة، الذي شهد طفرة في ظل إدارة ترامب.
انتخابات التجديد النصفي
وجاء هذا الفوز رغم ضخ القطاع نحو 200 مليون دولار في انتخابات التجديد النصفي، من خلال لجنة العمل السياسي المستقلة «فيرشيك»، التي تمولها شركات من بينها «كوين بيس» و«ريبل» و«أندريسن هورويتز»، إلى جانب لجنة عمل سياسي منفصلة تحظى بدعم شركة «تيثر» العملاقة للعملات المستقرة. لكن الجهات المانحة خسرت العديد من السباقات الانتخابية التي دعمت مرشحيها فيها.
وعلى مدار العامين الماضيين، وجّه أعضاء ديمقراطيون في مجلس الشيوخ، من بينهم ريتشارد بلومنثال وإليزابيث وارن، استفسارات متكررة إلى شركات مثل «بينانس» وشركة «تيثر» بشأن مزاعم تتعلق بأنشطة غير قانونية، لكن المسؤولين التنفيذيين تجاهلوا تلك الاستفسارات إلى حد كبير.
ومع امتلاك الديمقراطيين الأغلبية في مجلسي الكونغرس، أصبح بإمكانهم إصدار مذكرات استدعاء للمثول وتقديم الوثائق، وقد يؤدي تجاهلها إلى عقوبات مدنية أو جنائية.
وقال رون هاموند، رئيس السياسات والمناصرة لدى شركة «وينترميوت» المتخصصة في صناعة أسواق العملات المشفرة لصحيفة فايننشيال تايمز: «نصيحتي، إذا كنت قد تلقيت خطاباً من الديمقراطيين في الكونغرس ولم ترد عليه بالشكل الذي يرضيهم، فاستعد للإجابة عن استفساراتهم مباشرة».
وأضاف أن شركات العملات المشفرة التي حصلت على تراخيص من هيئات عيّنها ترامب، لكنها تُعد أيضاً من كبار المتبرعين له أو لمبادراته، ينبغي أن تتوقع خضوعها للتدقيق.
ومن المتوقع أن يشكل مشروع «وورلد ليبرتي فاينانشال»، التابع لعائلة ترامب، محوراً رئيسياً للتحقيقات، إذ جاء جزء كبير من أرباح ترامب في قطاع العملات المشفرة من هذا المشروع.
الاستخدامات غير المشروعة للعملات المشفرة
ومن المنتظر أن تركّز عليه لجنة فرعية تابعة لمجلس الشيوخ للتحقيقات، سيرأسها بلومنثال، وكانت اللجنة تحقق بالفعل في الاستخدامات غير المشروعة للعملات المشفرة.
وسبق أن قالت شركة «وورلد ليبرتي» إن الرئيس ترامب لم يعد يشارك في أعمالها منذ توليه منصبه.
ولا تقتصر التداعيات المحتملة للتحقيقات على الشركات المرتبطة بعائلة ترامب، إذ تواجه جهات أخرى استفادت من سياسات الإدارة الأميركية تدقيقاً متزايداً.
فقد أرسل بلومنثال إخطارات إلى منصة «بينانس» بشأن دورها المزعوم في عمليات غسل أموال مرتبطة بإيران، وإلى شركة «تيثر» بشأن حملتها المزعومة للتأثير في سياسات العملات المشفرة بالولايات المتحدة.
وقالت «بينانس» إنها لا تتسامح مطلقاً مع انتهاك العقوبات أو الأنشطة غير المشروعة، وإنها لم تسمح بإجراء أي معاملات مع أفراد خاضعين للعقوبات.
كما تربط «تيثر» علاقات وثيقة بوزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك، وبمصرف «كانتور فيتزجيرالد» الاستثماري في وول ستريت، الذي يديره أبناؤه.
ومن بين شركات العملات المشفرة البارزة التي تبرعت لمشروع قاعة الاحتفالات التابع لترامب، «كوين بيس» و«ريبل»، إلى جانب التوأمين وينكلفوس، اللذين يديران منصة تداول الأصول الرقمية «جيميني».
وتشبه التهديدات بفتح تحقيقات في قطاع العملات المشفرة تحقيقات أخرى تلوح في الأفق بشأن احتمال حصول شركات في قطاعات مختلفة على معاملة تفضيلية من الإدارة الأميركية.
وبحسب أليكس زيردن، مؤسس شركة «كابيتول بيك ستراتيجيز» للاستشارات وإدارة المخاطر في واشنطن، سيعتمد الديمقراطيون بدرجة كبيرة على الأدلة والمعلومات التي تقدمها شركات العملات المشفرة ومسؤولوها التنفيذيون، الذين قد تكون لديهم دوافع أكبر للتعاون مع طلباتهم مقارنة بإدارة ترامب.
وقال زيردن، الذي عمل سابقاً في جهات حكومية أميركية معنية بمكافحة الفساد والإنفاذ المالي والرقابة: «هناك احتمال كبير لعدم امتثال السلطة التنفيذية».
صناعة أسواق العملات المشفرة
وأضاف أن التحقيقات التي يجريها الكونغرس شهدت تزايداً في الاستناد إلى مبدأ الامتياز التنفيذي لتقليص الإفصاح عن المعلومات أو منعه، متوقعاً استمرار هذا التوجه أو تصاعده بشكل كبير خلال العامين الأخيرين من رئاسة ترامب.
وتُبث جلسات الاستماع والتحقيقات البرلمانية على الهواء مباشرة، كما يُتوقع من السياسيين الإعلان عن جهودهم في التحقيق في قضايا الفساد.
وقال جوشوا ريزمان، رئيس الشؤون القانونية والاستراتيجية لدى شركة «جي إس آر» المتخصصة في صناعة أسواق العملات المشفرة لفايننشيال تايمز: «هناك جانب استعراضي إلى حد ما في هذه المسألة»، مضيفاً أن الضغوط على القطاع ستكون حقيقية، وأن توقعات الكونغرس الحالي ستكون مختلفة عن سابقه.
وقال مسؤول تنفيذي سابق في القطاع إن بعض شركات العملات المشفرة «دعمت ما كان يحدث، أو على الأقل لم تنتقده»، في إشارة إلى علاقاتها بعائلة ترامب.
وأضاف أن شركات كثيرة قد تجد نفسها متورطة في تداعيات هذه التحقيقات، موضحاً أن الأمر يتعلق بدرجة الارتباط، سواء من خلال إبرام صفقات مع أشخاص مقربين من ترامب أو التوافق معهم.
ومع ذلك، يأمل بعض العاملين في القطاع أن تؤتي الجهود التي بذلتها شركات العملات المشفرة للتواصل مع الديمقراطيين خلال الأشهر الأخيرة ثمارها.
وقال ريزمان: «أعتقد أن الكونغرس الحالي سيتبنى نهجاً أكثر استهدافاً، إذ يمتلك أعضاؤه معرفة أكبر بالعملات المشفرة، بما يسمح لهم بالتمييز بين الجوانب الإيجابية والسلبية في القطاع ككل».