مكوّن صغير يشعل جبهة جديدة بين أميركا والصين في سباق الذكاء الاصطناعي

الولايات المتحدة تدرس حظر استيراد أجهزة الإرسال والاستقبال الضوئية الصينية (شترستوك)
الولايات المتحدة تدرس حظر استيراد أجهزة الإرسال والاستقبال الضوئية الصينية
الولايات المتحدة تدرس حظر استيراد أجهزة الإرسال والاستقبال الضوئية الصينية (شترستوك)

تشير تقارير إلى أن لجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية تعدّ حظرًا على استيراد نماذج جديدة من أجهزة الإرسال والاستقبال الضوئية الصينية، في خطوة تمثل تحولًا محوريًا في المشهد الجيوسياسي والتكنولوجي.

وتأتي هذه الخطوة في وقت ينتقل فيه سباق الذكاء الاصطناعي من نماذج اللغات الكبيرة الأساسية إلى الذكاء الاصطناعي الوكيل، بينما تشهد بنية مراكز البيانات تحولات ضخمة.

ومع وصول عمليات نشر العناقيد الفائقة إلى عشرات الآلاف من وحدات معالجة الرسومات، تصطدم مراكز البيانات بما يُعرف بـ«جدار النحاس»، وهو حد مادي يدفع نحو تسريع الانتقال إلى الوصلات البصرية عالية السرعة لربط الاتصالات.

وبينما يسعى المسؤولون التنفيذيون المعنيون بالتنظيم والسياسات إلى تأمين البنية التحتية الأساسية للذكاء الاصطناعي من مخاطر محتملة في سلاسل التوريد، فإن واقع السوق معقد، لأن سلسلة توريد البصريات الخاصة بالذكاء الاصطناعي مترابطة بصورة عميقة بين الابتكار الغربي في أشباه الموصلات والتصنيع الصيني الدقيق، وعلى نطاق واسع.

واقع السوق: من يسيطر على مسار الاتصالات البصرية؟

تطورت أجهزة الإرسال والاستقبال الضوئية من مكونات تقليدية في قطاع الاتصالات إلى نقاط اختناق حيوية أمام توسع عناقيد الذكاء الاصطناعي.

وتتركز الوحدات عالية السرعة، وبشكل خاص وحدات 400 غيغابت و800 غيغابت، إلى جانب وحدات 1.6 تيرابت الناشئة من طرازي أو إس إف بي وكي إس كيو إس بي-دي دي، لدى عدد محدود من الشركات القادرة على توفير دقة محاذاة بمستوى النانومتر مع معدلات إنتاج مرتفعة للغاية.

وحسب تقديرات شركة كونتربوينت ريسيرش، تتصدر شركة تشونغجي إنولايت سوق أجهزة الإرسال والاستقبال الضوئية لمراكز البيانات عالميًا، بحصة تقارب 27% من الإيرادات، مدفوعة بشكل كبير بموقعها المهيمن في توريد وحدات 800 غيغابت وعمليات النشر المبكرة لوحدات 1.6 تيرابت لصالح عمالقة الحوسبة السحابية في أميركا الشمالية.

وتحتل شركة كوهيرنت المرتبة الثانية، بحصة تقارب 17% من إيرادات أجهزة الإرسال والاستقبال، تليها شركة إيبتولينك، وهي مورد صيني آخر سريع التوسع يتمتع بتكامل عميق مع شركات الحوسبة السحابية الأميركية العملاقة.

وتستحوذ شركة لومينتوم هولدينغز على نحو 6% من إيرادات الوحدات النهائية، رغم أنها تتمتع بحضور أكبر بكثير كمورد لمكونات الليزر في المراحل السابقة من سلسلة التوريد.

وبشكل جماعي، تستحوذ الشركات الصينية المصنعة للوحدات الضوئية، بما فيها إنولايت وإيبتولينك وأكسيلينك وسورس فوتونيكس، على ما يقرب من ثلثي الإمدادات العالمية من حيث عدد الوحدات، ونحو 60% من إيرادات أجهزة الإرسال والاستقبال الضوئية للاتصالات الرقمية عالميًا.

التأثير على شركات الحوسبة السحابية الأميركية العملاقة

بالنسبة لشركات الخدمات السحابية الأميركية، مثل أمازون ويب سيرفيسز ومايكروسوفت وميتا وغوغل، فإن فرض حظر شامل على الشركات الصينية الجديدة المصنعة لأجهزة الإرسال والاستقبال الضوئية سيؤدي إلى اختناق تشغيلي كبير على المدى القريب إلى المتوسط.

عجز في الطاقة الإنتاجية

تمتلك الشركات الغربية المنافسة، مثل كوهيرنت ولومينتوم، تصميمات فوتونية متقدمة، لكنها تفتقر حاليًا إلى قدرات الغرف النظيفة، والبنية التحتية للتغليف الآلي، وحجم الإنتاج ومعدلات العائد اللازمة لاستيعاب الكميات التي توفرها إنولايت وإيبتولينك خلال فترة تتراوح بين 12 و24 شهرًا.

تأخر تشغيل العناقيد

في عنقود فائق للذكاء الاصطناعي، يمكن أن يؤدي غياب دفعة من أجهزة الإرسال والاستقبال الضوئية إلى إبقاء مخصصات من وحدات معالجة الرسومات تبلغ قيمتها مليارات الدولارات دون استخدام.

وبالتالي، فإن تقييد استيراد أجهزة الإرسال والاستقبال قد يؤدي إلى تأخير التشغيل التجاري للعناقيد الجديدة التي تعتمد على سرعات 800 غيغابت و1.6 تيرابت لعدة أرباع.

ارتفاع تكاليف رأس المال

سيؤدي تقييد المعروض في سوق تشهد نموًا سريعًا للغاية إلى زيادة تكاليف قائمة المواد اللازمة لمراكز البيانات العملاقة، ما سيدفع مشغلي الحوسبة السحابية إلى دفع علاوات سعرية أعلى للحصول على إمدادات من خارج الصين.

التأثير على الشركات الصينية: تنويع جغرافي تحت التدقيق

تكشف الديناميكيات التي تواجه كبار مصنعي الوحدات الضوئية الصينيين مشهدًا تكنولوجيًا غير متكافئ.

عدم التوازن في الإيرادات

بسبب القيود الأميركية على تصدير معالجات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، مثل إنفيديا إتش100 وسلسلة بلاكويل، لا تزال شركات الحوسبة السحابية الصينية المحلية، مثل علي بابا وتينسنت وبايدو، مقيدة بعناقيد أقل كثافة تتطلب تكوينات 100 غيغابت و400 غيغابت.

وبالتالي، يعتمد كبار مصنعي الوحدات الصينية على المشترين في الخارج، خاصة شركات الحوسبة السحابية الأميركية العملاقة، للحصول على أكثر من 90% من إيرادات وحدات 800 غيغابت و1.6 تيرابت ذات القيمة المرتفعة.

جنوب شرق آسيا كمنطقة حماية

استعدادًا لمواجهة الرسوم الجمركية والضغوط التجارية، وسعت شركات مثل إنولايت وإيبتولينك عمليات التصنيع خارج البر الرئيسي للصين بصورة كبيرة، وأنشأت خطوط إنتاج آلية عالية الحجم في تايلاند.

وغالبًا ما تتم عمليات التجميع النهائي، والمحاذاة الضوئية، والاختبار، والشحن المخصص للطلبات الأميركية في جنوب شرق آسيا، بهدف الحفاظ على استمرارية الإمدادات.

التعرض للمخاطر التنظيمية

إذا طبقت لجنة الاتصالات الفيدرالية القيود من خلال آلية «القائمة المشمولة» التي تستهدف ملكية الشركة الأم بدلًا من الموقع الجغرافي للإنتاج، فقد تواجه الشركات الصينية عقبات حتى بالنسبة للوحدات التي يتم إنتاجها خارج البر الرئيسي للصين.

وقد يؤدي ذلك إلى تسريع الحاجة إلى إعادة هيكلة الشركات أو إنشاء مشروعات مشتركة.

التأثير على المنافسة وسلسلة التوريد في المراحل السابقة

إن الاعتقاد بأن سوق أجهزة الإرسال والاستقبال الضوئية يمكن تقسيمها جغرافيًا بصورة واضحة يتجاهل الطريقة التي تعمل بها منظومة الأجهزة.

حلقة التكامل بين المكونات

لا تعمل شركات تصنيع الوحدات الصينية بمعزل عن بقية السوق.

فريادتها في السوق تقوم على دمج مكونات من موردين غربيين في المراحل السابقة من سلسلة التوريد.

وتحصل إنولايت وإيبتولينك على معالجات الإشارات الرقمية عالية السرعة من الثنائي الأميركي برودكوم ومارفل، بينما تحصلان على ليزرات الموجة المستمرة، والليزرات المعدلة بالامتصاص الكهربائي، والشرائح الضوئية من لومينتوم وكوهيرنت وميتسوبيشي إلكتريك اليابانية.

تكامل الأنظمة كميزة تنافسية

لا تقتصر الميزة التنافسية لشركة إنولايت على انخفاض تكلفة العمالة.

فقد تطورت الشركة لتصبح منصة متكاملة لتصنيع الأنظمة على نطاق واسع، بما يشبه تقريبًا الدور الذي تؤديه فوكسكون في قطاع الإلكترونيات الاستهلاكية.

ويمثل إتقان عمليات تبديد الحرارة، والمحاذاة بدقة النانومتر، وتحقيق معدلات إنتاج مرتفعة في عمليات التغليف اللازمة لوحدات السيليكون الفوتونية بسرعة 1.6 تيرابت، حاجزًا صناعيًا كبيرًا أمام المنافسين.

فرص للشركات الغربية

من المرجح أن تستفيد شركات تصنيع الوحدات الأميركية، مثل كوهيرنت ولومينتوم وأبلايد أوبتوإلكترونكس، على المدى الطويل، من زيادة حصتها في المشتريات ومن ارتفاع قدرتها على التسعير.

لكن زيادة الإنتاج إلى مستويات تتوافق مع سرعة بناء عناقيد الذكاء الاصطناعي الحالية ستتطلب إنفاقًا رأسماليًا كبيرًا، إضافة إلى الوقت اللازم لدورات التأهيل والاعتماد.

النظرة الاستراتيجية

لا تزال منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية تعتمد بصورة كبيرة على الشركات الصينية المصنعة للوحدات الضوئية من أجل تنفيذ عمليات الإنتاج على نطاق واسع.

وبينما تسعى المبادرات السياسية إلى عزل سلاسل التوريد الحيوية للذكاء الاصطناعي عن المخاطر المحتملة، فإن التحولات التنظيمية المفاجئة قد تؤدي إلى خلق اختناقات في المعدات، ما يمكن أن يبطئ جداول نشر البنية التحتية لدى أكبر شركات الحوسبة السحابية في العالم.

وخلال فترة 12 إلى 24 شهرًا المقبلة، سيعتمد النجاح في سوق الوصلات البصرية إلى حد كبير على المرونة التصنيعية.

وستكون الشركات القادرة على إنتاج وحدات السيليكون الفوتونية بسرعة 1.6 تيرابت وبمعدلات إنتاج مرتفعة، مع التعامل في الوقت نفسه مع التعقيدات المتعلقة بالموقع الجغرافي والأطر التنظيمية وقواعد تحديد المنشأ، في موقع يسمح لها بالسيطرة على مفاتيح توسيع الجيل المقبل من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

تأتي هذه الخطوة المحتملة ضمن سلسلة من الإجراءات الأميركية المتزايدة ضد معدات التكنولوجيا الأجنبية المرتبطة بمخاوف الأمن القومي. وكانت لجنة الاتصالات الفيدرالية قد اتخذت خلال 2026 إجراءات مماثلة شملت معدات اتصالات وأجهزة موجهة للاستخدام في البنية التحتية، كما أصدرت في يونيو قرارًا بتوسيع القيود على بعض المعدات المدرجة على القائمة المشمولة.

وفي 4 أغسطس 2026، أفادت رويترز بأن الإدارة الأميركية تدرس حظر استيراد نماذج جديدة من أجهزة الإرسال والاستقبال الضوئية الصينية المستخدمة داخل مراكز البيانات، مع تأكيد مصادر أن الإجراء لا يزال قيد الإعداد، ويمكن تعديله أو التخلي عنه، وأوضحت أن الهدف هو الحد من مخاطر سرقة البيانات أو تثبيت برمجيات خبيثة أو تعطيل الخدمات في مراكز البيانات الأميركية التي تدعم تشغيل وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

وحسب رويترز، تمتلك إنولايت نحو 27% من سوق أجهزة الإرسال والاستقبال لمراكز البيانات عالميًا، بينما تفتقر شركتا كوهيرنت ولومينتوم إلى الحجم الإنتاجي الكافي لاستبدال الموردين الصينيين بسرعة؛ ما يفسر المخاوف من أن يؤدي الحظر المحتمل إلى زيادة تكاليف شركات الحوسبة السحابية الأميركية مثل أمازون ويب سيرفيسز.

كما أشارت إلى أن الأسهم الأميركية المرتبطة بتصنيع أجهزة الإرسال والاستقبال ارتفعت عقب التقرير، إذ صعدت أسهم لومينتوم وكوهيرنت وأبلايد أوبتوإلكترونكس بنسب متفاوتة، في انعكاس لتوقعات المستثمرين بأن تستفيد الشركات الأميركية من أي تحول في المشتريات بعيدًا عن الموردين الصينيين.

وفي المقابل، حذرت الصين من أنها ستتخذ الإجراءات اللازمة إذا ألحقت أي خطوة أميركية ضررًا جوهريًا بمصالحها، في حين أكدت رويترز أن القيود المحتملة تأتي ضمن توجه أميركي أوسع لتجنب تكرار تجربة هواوي، حيث أصبحت معدات الشركة الصينية جزءًا متغلغلًا في البنية التحتية الأميركية، ما جعل استبدالها لاحقًا عملية مكلفة وبطيئة.