هل ينجح جيروم باول ورفاقه في الحفاظ على استقلالية الفيدرالي وعدم الإذعان لضغوط ترامب؟

البنك الفيدرالي الأميركي، واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة الأميركية. شاتر ستوك
هل ينجح جيروم باول ورفاقه في الحفاظ على استقلالية الفيدرالي وعدم الإذعان لضغوط ترامب؟
البنك الفيدرالي الأميركي، واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة الأميركية. شاتر ستوك

أثارت جهود الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإعادة تشكيل مجلس الاحتياطي الفيدرالي والضغط المتواصل عليه لخفض أسعار الفائدة تساؤلات حول قدرة البنك المركزي الأميركي على الحفاظ على استقلاليته وقدرته على مكافحة التضخم.

ونظراً لإحباط ترامب من الحماية القانونية الممنوحة لقيادة الاحتياطي الفيدرالي، وطول مدة ولاية أعضاء مجلس المحافظين، التي تتجاوز ولاية أي رئيس، فقد مارس ضغوطاً شديدة على رئيس البنك، جيروم باول، للاستقالة، ويدفع باتجاه إقالة عضو آخر في المجلس، هي المحافظة ليزا كوك.

إذا رضخ أقوى بنك مركزي في العالم لهذا الضغط، أو وجد ترامب خطة لإقالة أعضائه، فستُرسى سابقة خطيرة في الدول المتقدمة، من أوروبا إلى اليابان، حيث ستتعرض المعايير الراسخة لاستقلال السياسة النقدية لهجوم جديد من السياسيين المحليين.

قال أولي رين، عضو لجنة السياسات في البنك المركزي الأوروبي، من فنلندا، على هامش الندوة السنوية للاحتياطي الفيدرالي في جاكسون هول، في ولاية وايومنغ الأميركية: «إن هجمات السياسيين على الاحتياطي الفيدرالي لها تداعيات تمتد إلى بقية العالم، بما في ذلك أوروبا».

ولهذا السبب، دعم رين وزملاؤه باول بحماس للتمسك بموقفه، حتى بعد أن أشار إلى احتمال خفض أسعار الفائدة في سبتمبر، وقد استُقبل باول بتصفيق حار عندما اعتلى المنصة في المؤتمر.

المُسلمات

كشفت المحادثات مع اثني عشر من محافظي البنوك المركزية من جميع أنحاء العالم في جبال غراند تيتون أن إضعاف استقلال قرارات الاحتياطي الفيدرالي يعتُبر تهديداً مباشراً لمكانتهم وللاستقرار الاقتصادي بشكل عام، حيث يؤدي ذلك التهديد إلى اضطرابات كبيرة في الأسواق المالية، وحالياً يطالب المستثمرون بعلاوة أعلى لامتلاك السندات الأميركية، ويعيدون تقييم أفكار كانت تُعتبر من المُسلمات مثل أن سندات الخزانة الأميركية هي شريان الحياة للنظام المالي العالمي.

بدأت البنوك المركزية حول العالم بالفعل بالاستعداد للتداعيات، مطالبةً المُقرضين بمراقبة انكشافهم على العملة الأميركية.

والأهم من ذلك أن استسلام الاحتياطي الفيدرالي لترامب سينهي نظاماً حقق استقراراً نسبياً في الأسعار لعقود، حيث تلتزم العديد من البنوك المركزية باستهداف الحفاظ على التضخم بالقرب من 2%.

قال رئيس البنك المركزي الألماني، يواكيم ناجل، وهو أيضاً عضو في مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي «علينا أن نلتزم بتفويضنا ونؤكد أن الاستقلال هو الشرط الأساسي لاستقرار الأسعار».

استقلال هش

يُمكن لترامب تسمية رئيس جديد عند انتهاء ولاية باول كرئيس لجنة السياسات النقدية في مايو، إلّا أنه يحتاج أيضاً إلى رحيل المزيد من أعضاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي المُكوّن من سبعة أعضاء ليتمكن مُعيّنوه من الحصول على الأغلبية.

وتشكّل شبكة الاحتياطي الفيدرالي المُكوّنة من 12 بنكاً احتياطياً إقليمياً، والتي يتناوب قادتها على التصويت على سياسة أسعار الفائدة، ثقلاً موازناً إضافياً في لجنة السياسات النقدية.

وتسببت علاقة ترامب المتوترة مع الاحتياطي الفيدرالي في إدراك مُحافظي البنوك المركزية الآخرين لمدى هشاشة استقلاليتهم.

تُقرّ معاهدات الاتحاد الأوروبي استقلالية البنك المركزي الأوروبي عن حكومات منطقة اليورو، لكن البنك اتُهم بتمويل الحكومات عندما أطلق برنامجه الضخم لشراء السندات قبل عقد من الزمن بهدف منع الانكماش، ونجا من طعون قضائية متعددة سعت إلى منع تلك المشتريات، كما انتقدت أحزاب يمينية ويسارية في دول مثل إيطاليا وألمانيا وفرنسا البنك المركزي بشكل دوري.

ووُجّهت انتقادات إلى محافظ البنك المركزي اللاتفي، مارتينز كازاك، من قبل سياسيين وطنيين لعدم استجابته لرغبات الحكومة، ولم تعين سلوفينيا محافظ جديد منذ يناير/ كانون الثاني الماضي، بسبب خلافات حزبية، وفي اليابان انتقد رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي محافظ البنك المركزي آنذاك ماساكي شيراكاوا بسبب عدم بذله الكثير من الجهد للتغلب على الانكماش.

مثال سيئ

تشجع خطوات ترامب الحكومات حول العالم، وخاصةً تلك ذات الميول الشعبوية، على فرض سيطرتها على بنوكها المركزية، وقد يُمهّد ذلك الطريق لارتفاع معدلات التضخم عالمياً وزيادة تقلب الأسواق.

قال موري أوبستفيلد، الزميل البارز في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي وكبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي «الاستحواذ على الاحتياطي الفيدرالي تطور من شأنه أن يُرسخ مثالاً سيئاً للغاية للحكومات الأخرى»، مضيفاً «كانت الولايات المتحدة تُعتبر حصناً للضوابط والتوازنات المؤسسية وسيادة القانون، لكن البنوك المركزية في الدول الأخرى تشكل أهدافاً أسهل للهجوم».

(رويترز)