أنهت البورصة الأميركية أسبوعاً حافلاً بالتقلبات والخسائر، بعدما واجهت الأسواق مزيجاً معقداً من المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية، تمثل في تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط وصدور بيانات ضعيفة لسوق العمل الأميركي.
وخلال الفترة بين إغلاق الجمعة 27 فبراير 2026 وإغلاق الجمعة 6 مارس 2026، تكبدت المؤشرات الرئيسية وول ستريت، وداو جونز وستاندرد آند بورز 500 وناسداك، خسائر ملحوظة، في وقت بدأ فيه المستثمرون إعادة تقييم توقعاتهم للسياسة النقدية الأميركية ومسار الاقتصاد العالمي.
هذا التراجع يعكس حالة القلق التي سيطرت على المستثمرين في ظل تزايد المخاطر العالمية، وهو ما دفع العديد من الصناديق الاستثمارية إلى تقليل انكشافها على الأسهم والاتجاه نحو الأصول الأكثر أماناً مثل الذهب والسندات.
أداء المؤشرات الأميركية خلال الأسبوع
مع نهاية جلسة الجمعة 6 مارس، تراجعت المؤشرات الرئيسية عند الإغلاق، داو جونز هبط من 49,499 نقطة في إغلاق 27 فبراير إلى 47,501 نقطة، بخسارة 1,998 نقطة، بنسبة تراجع 4%.
وهبط ستاندرد آند بورز 500 من 6,878 نقطة في إغلاق 27 فبراير إلى 6,740 نقطة، بخسارة 138 نقطة بنسبة تراجع 2%.
وهوى مؤشر ناسداك من 22,878 نقطة في إغلاق 27 فبراير إلى 22,387 نقطة، بخسارة 491 نقطة وبنسبة تراجع 2.1%.
هذه الخسائر الأسبوعية تعد من أكبر التراجعات منذ أواخر عام 2025، خصوصاً بالنسبة لمؤشر داو جونز الذي تأثر بشدة بأسهم الشركات الصناعية والطاقة والنقل.
النفط يقود موجة القلق في الأسواق
أحد أبرز العوامل التي ضغطت على وول ستريت كان الارتفاع الحاد في أسعار النفط العالمية، فقد ارتفعت أسعار النفط إلى ما فوق 90 دولاراً للبرميل نتيجة المخاوف من تعطل الإمدادات في الشرق الأوسط، خاصة مع التوترات المتصاعدة بالقرب من مضيق هرمز الذي يعد أحد أهم الممرات النفطية في العالم.
يمر عبر هذا المضيق نحو 20% من تجارة النفط العالمية، وأي اضطراب فيه يمكن أن يؤدي إلى ارتفاعات حادة في الأسعار.
ويعود ذلك على الأسواق المالية بالتاكيد، فإن ارتفاع النفط يحمل عدة آثار سلبية، أهمها: زيادة الضغوط التضخمية، ارتفاع تكاليف الإنتاج للشركات، تراجع أرباح الشركات الصناعية والنقل، وانخفاض إنفاق المستهلكين.
ولهذا السبب شهدت أسهم شركات الطيران والنقل تراجعاً واضحاً خلال الأسبوع.
صدمة سوق العمل الأميركي
أسهم أيضاً في زيادة الضغوط على الأسهم الأميركية، صدور بيانات ضعيفة لسوق العمل الأميركي، فقد أظهرت بيانات التوظيف لشهر فبراير أن الاقتصاد الأميركي فقد نحو 92 ألف وظيفة، وهو رقم صادم للأسواق التي كانت تتوقع إضافة وظائف جديدة.
كما ارتفع معدل البطالة إلى 4.4%، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من عام.
هذا التطور أثار مخاوف من أن الاقتصاد الأميركي قد يدخل مرحلة تباطؤ بعد فترة طويلة من النمو القوي، ويعتبر سوق العمل أحد أهم المؤشرات التي يعتمد عليها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي عند اتخاذ قرارات السياسة النقدية.
هل يعود شبح الركود التضخمي؟
الجمع بين ارتفاع النفط وضعف سوق العمل أعاد إلى الواجهة المخاوف من سيناريو اقتصادي يعرف باسم الركود التضخمي.
في هذا السيناريو يحدث ما يلي: ارتفاع التضخم بسبب الطاقة، تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع البطالة.
وهذا المزيج يضع البنك المركزي في موقف صعب، لأنه لا يستطيع خفض الفائدة لدعم الاقتصاد في ظل التضخم المرتفع.
وقد بدأ بعض المحللين في مؤسسات مالية كبرى مثل جيه بي مورغان تشيس وغولدمان ساكس، التحذير من أن استمرار ارتفاع الطاقة قد يؤخر أي خفض للفائدة في الولايات المتحدة.
قطاع الطاقة الرابح الوحيد
رغم تراجع السوق بشكل عام، كان قطاع الطاقة هو الرابح الأكبر خلال الأسبوع، فقد ارتفعت أسهم شركات النفط الكبرى مثل إكسون موبيل وشيفرون، مدفوعة بارتفاع أسعار النفط وتحسن توقعات الأرباح.
في المقابل، تعرضت أسهم التكنولوجيا لضغوط واضحة، خاصة الشركات ذات التقييمات المرتفعة.
التكنولوجيا تحت الضغط
قطاع التكنولوجيا، الذي يقوده أبل ومايكروسوفت وإنفيديا، كان من بين القطاعات الأكثر حساسية للتقلبات في أسعار الفائدة، فعندما ترتفع المخاوف التضخمية، يتوقع المستثمرون أن يبقي الاحتياطي الفيدرالي الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهذا الأمر يضغط على أسهم التكنولوجيا لأن تقييماتها تعتمد بشكل كبير على الأرباح المستقبلية، ولهذا السبب شهد مؤشر ناسداك تراجعاً ملحوظاً خلال الأسبوع.
المستثمرون يتجهون إلى الملاذات الآمنة
في ظل التقلبات في سوق الأسهم، اتجه المستثمرون إلى الأصول الآمنة. وشهدت الأسواق ارتفاع أسعار الذهب، وزيادة الطلب على السندات الحكومية.
كما ارتفع مؤشر التقلبات في السوق، ويعرف هذا المؤشر باسم CBOE Volatility Index أو VIX، وغالباً ما يطلق عليه "مؤشر الخوف في وول ستريت"، وارتفاع هذا المؤشر يعكس زيادة القلق بين المستثمرين.
ماذا تتوقع وول ستريت الآن؟
يراقب المستثمرون عدة عوامل قد تحدد اتجاه السوق خلال الأسابيع المقبلة، أولها الحرب في الشرق الأوسط، فأي تصعيد جديد قد يدفع النفط إلى مستويات أعلى، وربما يتجاوز 100 دولار للبرميل، وهو ما سيزيد الضغوط على الاقتصاد العالمي.
كما يراقب السوق التضخم الأميركي، فالأسواق تترقب بيانات التضخم المقبلة لمعرفة ما إذا كان ارتفاع الطاقة سيؤدي إلى تسارع التضخم مرة أخرى.
وذلك بجانب قرارات الاحتياطي الفيدرالي، فإذا استمر التضخم مرتفعاً، فقد يضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى تأجيل خفض أسعار الفائدة الذي كانت الأسواق تتوقعه في 2026.
هل انتهى صعود الأسهم الأميركية؟
رغم التراجع الأخير، يرى العديد من المحللين أن السوق الأميركية لا تزال في اتجاه صاعد على المدى الطويل.
ويرجع ذلك إلى عدة عوامل أهمها: قوة الاقتصاد الأميركي مقارنة ببقية الاقتصادات الكبرى، واستمرار الابتكار في قطاع التكنولوجيا، والأرباح القوية للشركات الكبرى.
لكن في المدى القصير، من المرجح أن تبقى التقلبات مرتفعة، خاصة إذا استمرت التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة.
كان الأسبوع بين 27 فبراير و6 مارس 2026 من أكثر الأسابيع تقلباً في وول ستريت هذا العام، فقد اجتمعت عدة عوامل لتضغط على الأسواق، على رأسها ارتفاع النفط بسبب التوترات الجيوسياسية، وبيانات وظائف ضعيفة في الولايات المتحدة، ومخاوف من عودة التضخم.
نتيجة لذلك، تكبدت المؤشرات الرئيسية خسائر ملحوظة، بينما اتجه المستثمرون إلى الأصول الآمنة، لكن المسار المستقبلي للسوق سيعتمد بدرجة كبيرة على تطورات الحرب في الشرق الأوسط ومسار التضخم والسياسة النقدية الأميركية.