يتجه
بنك اليابان نحو تشديد سياسته النقدية بوتيرة أكثر وضوحاً، بعدما عزّز محافظه كازو أويدا التوقعات برفع أسعار الفائدة خلال يونيو/ حزيران، في تحول لافت يضع مكافحة التضخم في صدارة أولويات البنك وسط تنامي مخاطر ارتفاع الأسعار بسبب الحرب بين إيران وإسرائيل وما نتج عنها من صدمة في أسواق الطاقة.
وفي خطاب ألقاه أمس الأربعاء، تخلى أويدا إلى حد كبير عن صورته السابقة كمحافظ يميل إلى التيسير النقدي، مؤكداً استعداد البنك المركزي للتحرك في مواجهة الضغوط التضخمية المتزايدة التي قد تلحق ضرراً بالاقتصاد إذا تُركت دون معالجة.
التضخم في صدارة الأولويات
ويعكس هذا التحول إعادة صياغة لمسار السياسة النقدية في
اليابان، بحيث تصبح مخاطر التضخم، وليس فقط تحقيق معدل تضخم مستقر عند 2%، محوراً أساسياً في قرارات أسعار الفائدة.
والأهم من ذلك أن أويدا تخلى عن الغموض الذي كان يحيط بموقف البنك من صدمات العرض، موضحاً أن بنك اليابان لن يتجاهل بعد الآن التضخم الناجم عن الحروب إذا كان من شأنه أن يمتد إلى موجات تضخمية أوسع داخل الاقتصاد.
ويمثل هذا التوجه مرحلة جديدة في ولاية أويدا الممتدة خمس سنوات، فبعد أن أمضى سنواته الأولى في تفكيك بقايا سياسات التحفيز النقدي الضخمة التي ورثها عن سلفه، بات يقود البنك نحو دور أكثر تقليدية يتمثل في الحفاظ على استقرار الأسعار وكبح التضخم.
وكان بنك اليابان قد أنهى عام 2024 برنامج التحفيز النقدي واسع النطاق الذي استمر عقداً كاملاً، كما رفع أسعار الفائدة عدة مرات، من بينها زيادة في ديسمبر/ كانون الأول، استناداً إلى قناعته بأن الاقتصاد الياباني بات قريباً من تحقيق هدف التضخم البالغ 2% بشكل مستدام.
إشارات قوية إلى رفع الفائدة هذا الشهر
وقال أويدا: «حتى إذا ظلت الأوضاع في الشرق الأوسط غير واضحة، يتعين علينا مناقشة مزايا وعيوب رفع سعر الفائدة إذا رأينا أن مخاطر ارتفاع الأسعار تفوق المخاطر السلبية على النشاط الاقتصادي».
وعزّز هذا التصريح الرهانات السائدة في الأسواق على رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع البنك المقرر يومي 15 و16 يونيو/ حزيران.
ولفت مراقبون إلى أن هذه الصياغة تشبه التصريحات التي سبقت رفع الفائدة في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، عندما تحدث أويدا أيضاً عن ضرورة تقييم مزايا وعيوب التشديد النقدي.
لكن هذه المرة ذهب المحافظ الياباني إلى أبعد من ذلك عبر توسيع نطاق الظروف التي قد تدفع البنك إلى رفع الفائدة.
صدمات الطاقة تفرض واقعاً جديداً
فحتى وقت قريب، كان تشديد السياسة النقدية يُقدَّم باعتباره خروجاً تدريجياً وحذراً من سياسات التحفيز، مرتبطاً بتحقيق تضخم مستقر عند 2%.
أما الآن فقد أضاف أويدا محفزاً جديداً يركّز مباشرة على مخاطر التضخم، محذراً من أن التغيرات في سلوك الشركات عند تحديد الأسعار قد تجعل صدمات الطاقة عاملاً يفاقم الضغوط السعرية.
وقال مصدر مطلع على تفكير البنك المركزي إن بنك اليابان سيرفع أسعار الفائدة على الأرجح خلال يونيو/ حزيران ما لم يشهد الصراع العسكري تصعيداً حاداً، وهو تقييم أيده مصدر آخر مطلع.
كما حذّر أويدا من مخاطر التأخر في اتخاذ القرار، مشيراً إلى أن ارتفاع تكاليف المواد الخام بدأ بالفعل يدفع أسعار الجملة إلى الصعود وقد ينتقل أثره إلى مختلف قطاعات الاقتصاد.
مخاوف من موجة تضخم أوسع خلال الصيف
وقالت ماري إيواشيتا، وهي من أبرز المتابعين لسياسات بنك اليابان، إن التغيير في أسلوب التواصل يعكس تنامي قلق البنك المركزي من الضغوط التضخمية المتصاعدة، معتبرة أن رفع الفائدة في يونيو/ حزيران أصبح أمراً شبه محسوم.
وأضافت أن موجة ارتفاع الأسعار الناتجة عن الحرب ما زالت في بدايتها ومن المرجح أن تتسارع خلال فصل الصيف.
وأوضحت أن تصريحات أويدا تشير إلى أن بنك اليابان يستعد لاحتمال اضطراره إلى رفع الفائدة مجدداً خلال الخريف وربما بوتيرة أسرع.
محاولة لطمأنة الحكومة رغم التشدد
وفي الوقت نفسه، سعى أويدا إلى تهدئة مخاوف الحكومة اليابانية التي تميل إلى السياسة النقدية الميسرة بشأن الأضرار المحتملة لرفع الفائدة على الاقتصاد.
ووصف تشديد السياسة النقدية بأنه وسيلة لحماية القوة الشرائية للأسر من التآكل بفعل التضخم.
كما أكد أن التحرك في الوقت المناسب يساعد على تعزيز ثقة الأسواق ومنع حدوث ارتفاعات حادة وغير مستقرة في عوائد السندات الحكومية، في ظل حساسية الحكومة تجاه زيادة تكاليف الاقتراض.
ورغم التحول المتشدد في الخطاب، واصل الين الياباني ضعفه، ما يعكس استمرار شكوك الأسواق بشأن قدرة البنك المركزي على تغيير اتجاه العملة.
ولا يزال
الين يتحرك قرب مستوى 160 يناً للدولار، وهو المستوى الذي تعتبره الأسواق خطاً أحمر قد يدفع السلطات اليابانية إلى التدخل لدعم العملة، في وقت تواصل فيه أسعار الواردات وتكاليف المعيشة ممارسة ضغوط على الاقتصاد.
ويرى بعض المحللين أن رفع الفائدة خلال يونيو/ حزيران قد لا يكون كافياً لعكس الاتجاه الهابط للين.
وقال رينتو ماروياما، استراتيجي الأسواق لدى «إس إم بي سي نيكو للأوراق المالية»، إن أي تعافٍ للين بعد رفع الفائدة سيكون محدوداً ما لم يصدر بنك اليابان إشارات أقوى وأكثر استدامة بشأن مواصلة التشديد النقدي.
(رويترز)