تسريب معلومات يهز «كيه بي إم جي» ويعمّق أزمة شركات المحاسبة الكبرى

فضيحة كيه بي إم جي تعمّق متاعب شركات المحاسبة الأربع الكبرى في أستراليا (رويترز)
فضيحة كيه بي إم جي تعمّق متاعب شركات المحاسبة الأربع الكبرى في أستراليا
فضيحة كيه بي إم جي تعمّق متاعب شركات المحاسبة الأربع الكبرى في أستراليا (رويترز)

من المتوقع أن تؤدي فضيحة تسريب المعلومات المتعلقة بعمليات التدقيق في شركة كيه بي إم جي إلى زيادة الضغوط على شركات المحاسبة الأربع الكبرى في أستراليا، في وقت تظهر فيه البيانات أن إيرادات الأعمال الجديدة التي حصلت عليها هذه الشركات من الحكومة الفيدرالية تراجعت بالفعل بنحو النصف بعد فضيحة مماثلة شهدتها شركة بي دبليو سي قبل ثلاث سنوات.

وأظهر تحليل أجرته رويترز للمناقصات الحكومية أن قيمة العقود الجديدة التي وقعتها شركات كيه بي إم جي وبي وديلويت وإيه واي مع الحكومة الفيدرالية الأسترالية انخفضت إلى 348 مليون دولار أسترالي، أي ما يعادل 245.51 مليون دولار أميركي، في عام 2025، مقارنة بـ637 مليون دولار أسترالي في العام السابق.

الحكومة الأسترالية تبتعد عن شركات القطاع وسط تصاعد المخاوف

ويؤكد ذلك حجم وسرعة استعداد الحكومة للابتعاد عن كبار اللاعبين في قطاع الخدمات المهنية الذي تبلغ قيمته 1.8 مليار دولار أسترالي، كما يعطي مؤشراً على التأثير المحتمل الذي قد تواجهه شركة كيه بي إم جي، أكبر متعاقد للخدمات المهنية مع الحكومة.

وتتورط كيه بي إم جي في فضيحة بعد اتهامها بمشاركة معلومات سرية تخص شركات مع عملاء محتملين من القطاع الخاص بهدف التقدم بعروض للفوز بأعمال تدقيق.

وقد استقال الرئيس التنفيذي للشركة وكبير المدققين فيها بعد اعتراف الشركة بسوء تعاملها مع شكوى تقدم بها مُبلّغ عن المخالفات بشأن سوء السلوك المزعوم، كما استعانت الشركة بمستشار حوكمة مستقل لمراجعة ممارساتها في ظل سعيها للحد من نزوح العملاء.

قيود حكومية ومراجعة للعقود القائمة

وقالت الحكومة الأسترالية يوم الثلاثاء إن كيه بي إم جي لن تتمكن من التقدم بعطاءات للحصول على أعمال اتحادية جديدة حتى 30 سبتمبر. كما أشار البنك الاحتياطي الأسترالي إلى أنه من غير المرجح أن يعيد تعيين كيه بي إم جي لإدارة خط الإبلاغ عن المخالفات الخاص به.

وتمتلك كيه بي إم جي حالياً عقوداً اتحادية نشطة بقيمة تقارب 650 مليون دولار أسترالي تشمل تدقيق سلاسل التوريد المرتبطة بمكافحة العبودية وخدمات الأمن السيبراني، وفقاً لمراجعة أجرتها رويترز للمعلومات المنشورة والتي تم التحقق منها من قبل مشرعين.

تجربة بي دابليو سي  تثير مخاوف من تكرار السيناريو

وكانت بي دابليو سي قد تعرضت لهزة قوية في عام 2023 بعد الكشف عن مشاركتها تفاصيل سرية تتعلق بالسياسات الضريبية بهدف الفوز بعملاء، ما أجبرها على التخلي عن العقود الحكومية الجديدة لأكثر من عام وبيع وحدة الاستشارات الحكومية التابعة لها، والتي كانت تمثل خُمس إيراداتها، مقابل دولار أسترالي واحد فقط.

وقال بريندان ليون، الشريك السابق في كيه بي إم جي، إن الأعمال الحكومية تمثل جزءاً كبيراً من إيرادات شركات المحاسبة الأربع الكبرى، وإن خسارة مئات الملايين من الدولارات سنوياً قد تهدد سلامتها المالية.

وأضاف «من المؤكد أن ذلك ستكون له آثار، وقد نوقش الأمر بالفعل من قِبل السياسيين والجهات الحكومية المختلفة».

ورفضت شركات كيه بي إم جي و بي دابليو سي وديلويت وإيه واي التعليق.

وانخفضت إيرادات بي دابليو سي بنسبة 26% خلال السنة المالية 2024 بعد البيع السريع لوحدة الاستشارات الحكومية.

مخاوف من فقدان الثقة الحكومية على نطاق أوسع

وقال ستيفن بارتوس، النائب السابق لوزير المالية الأسترالي، إنه إذا ثبتت الاتهامات الموجهة إلى كيه بي إم جي فمن المرجح أن تواجه الشركة مصيراً مشابهاً.

وأضاف «الأمر يثير مخاوف لدى الجهات الحكومية من احتمال إساءة استخدام المواد السرية الخاصة بالحكومة، وبالتالي ستكون الجهات الحكومية أكثر تردداً في التعامل مع كيه بي إم جي».

وتابع «قد تواجه أيضاً تقليصاً في الأعمال من قبل حكومات الولايات، وهو ما قد يتجاوز في مجمله حجم الأعمال الفيدرالية».

تزايد الدعوات لإصلاحات تنظيمية شاملة

أمضت أستراليا، وهي ثاني عشر أكبر اقتصاد في العالم، سنوات في بناء علاقات مع شركات المقاولات والاستشارات لتلبية الطلب الشعبي على قطاع حكومي أصغر حجماً. ومع تزايد الفضائح، قد يشهد هذا التوجه تراجعاً إضافياً.

وفي العام الماضي، قدمت ديلويت اعتذاراً بعدما اكتشف أكاديميون أن تقريراً أعدته لصالح وزارة التوظيف والعلاقات في مكان العمل تضمن معلومات ملفقة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي.

ولا تقتصر أزمات شركات المحاسبة الأربع الكبرى على أستراليا؛ ففي السنوات الأخيرة تعرضت جميعها لعقوبات بسبب مخالفات تتعلق بالتدقيق في المملكة المتحدة، بينما وافقت إيه واي في الولايات المتحدة على دفع 100 مليون دولار عام 2022 لتسوية اتهامات تتعلق بغش موظفيها في اختبارات المحاسبة.

توصيات برلمانية لم تُنفذ بعد

وأدت التحقيقات البرلمانية التي أُطلقت عقب فضيحة بي دابليو سي إلى تقديم عشرات التوصيات لسد الثغرات التنظيمية، بما في ذلك فرض سقف لعدد الشركاء لتعزيز المساءلة وحظر تقديم خدمات التدقيق والاستشارات في الوقت نفسه لتجنب تضارب المصالح.

إلا أن هذه التوصيات الخاصة بإجراء تغييرات جوهرية لم يتم تنفيذها حتى الآن.

وقالت السيناتورة باربرا بوكوك من حزب الخضر، التي تدعو إلى تشديد الرقابة على شركات الاستشارات الكبرى «حان الوقت لإجبار هذه الشراكات متعددة الملايين من الدولارات وغير الخاضعة للحوكمة على تبني الانضباط نفسه المفروض على الشركات الكبرى».

وأضافت «لقد فقدت هذه الشركات مبرر حصولها على معاملة خاصة في ما يتعلق بالضرائب والشفافية وحماية المبلغين عن المخالفات، وحان الوقت لتفكيكها وتنظيمها بشكل مناسب كما أوصت التحقيقات البرلمانية مراراً».

موجة تغييرات محتملة في السوق

وقال ريتشارد كولبيك، السيناتور المحافظ الذي ترأس تحقيقاً بشأن استخدام المستشارين الخارجيين، إن الفضائح المتعاقبة في بي دابليو سي وكيه بي إم جي تشير إلى أن «هناك على الأرجح عملية إعادة هيكلة قادمة في هذا الجزء من السوق».

وأضاف «كل وزارة حكومية يُسأل مسؤولوها حالياً عن عدد العقود التي تربطها بكيه بي إم جي، وكل جهة سمعنا ردها قالت إنها تقوم بمراجعة عقودها».

(رويترز)