قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بإبقاء أسعار الفائدة دون تغيير اليوم، ليس مجرد شأن أميركي خالص، فالفائدة التي يحددها البنك المركزي الأكبر في العالم تتحول، عبر الدولار وسندات الخزانة وتدفقات رأس المال، إلى مرجع غير معلن لتكلفة الاقتراض في معظم الاقتصادات، خصوصاً الأسواق الناشئة والدول التي ترتبط عملاتها بالدولار. وثبت البنك الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة في اجتماعه يوم الأربعاء للمرة الرابعة على التوالي متماشياً مع توقعات الأسواق، عند 3.5% و3.75%، بعدما أظهرت بيانات التضخم في مايو/أيار تسارعاً، متأثرة بالأحداث الجيوسياسية.
هذا التثبيت سيواصل فترة توقف بدأت بعد خفض ديسمبر كانون الأول 2025، عندما قلّص الفيدرالي الفائدة بربع نقطة مئوية إلى النطاق الحالي، ثم أبقى عليها دون تغيير في اجتماعات يناير كانون الثاني ومارس آذار وأبريل نيسان 2026، بحسب بيانات لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية.
القرارات السابقة
تأتي مرحلة التثبيت الحالية بعد واحدة من أعنف دورات التشديد النقدي في التاريخ الحديث، فمن مارس آذار 2022 إلى يوليو تموز 2023 رفع الفيدرالي الفائدة بوتيرة سريعة لمواجهة أسوأ موجة تضخم تشهدها الولايات المتحدة منذ عقود.
وتسببت تلك الدورة في صعود قوي لسعر الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية، ما شدد الأوضاع المالية عالمياً.
وفي ديسمبر كانون الأول 2025، عاد الفيدرالي إلى خفض الفائدة بواقع 25 نقطة أساس، ليصل النطاق إلى 3.50%–3.75%، لكنه فعل ذلك وسط انقسام داخل لجنة السياسة النقدية، فقد عارض بعض الأعضاء القرار، بين من كان يريد خفضاً أكبر ومن كان يفضل عدم الخفض، ما عكس اتساع الخلاف داخل البنك بشأن توازن المخاطر بين التضخم وسوق العمل.
بعد ذلك، قرر الفيدرالي في يناير كانون الثاني 2026 تثبيت الفائدة، مع اعتراض عضوين كانا يفضلان خفضها بربع نقطة.
وفي مارس آذار أبقى البنك النطاق ذاته، مع اعتراض عضو واحد لصالح الخفض، وفي أبريل نيسان ثبت الفائدة مجدداً، لكن الانقسام لم يكن حول القرار فقط، بل حول صياغة البيان أيضاً، إذ دعم بعض الأعضاء التثبيت لكنهم رفضوا الإبقاء على لغة توحي بإمكانية الخفض مستقبلاً.
لماذا يتحكم الفيدرالي في قرارات بنوك مركزية أخرى؟
يقول الخبراء في القطاع المصرفي أن الفيدرالي الأميركي لا يصدر أوامره إلى البنوك المركزية الأخرى، لكنه يغير البيئة التي تعمل فيها، فعندما يرفع الفائدة، تصبح الأصول الدولارية، وعلى رأسها سندات الخزانة الأميركية، أكثر جاذبية، وعندما يخفضها، تنخفض عوائد تلك الأصول نسبياً، وتتحسن شهية المستثمرين للمخاطرة في أسواق أخرى.
الفيدرالي الأميركي (أ ف ب)
هذه المعادلة تجعل كل بنك مركزي مضطراً إلى النظر في قرار الفيدرالي قبل اتخاذ قراره المحلي؛ فرفع الفائدة الأميركية قد يدفع رؤوس الأموال إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ويضغط على عملاتها، ويرفع تكلفة خدمة الديون المقومة بالدولار، أما خفض الفائدة فقد يمنح تلك الاقتصادات مساحة أوسع للتيسير النقدي دون خوف كبير من هروب الأموال أو تراجع العملة.
الدولار هو القناة الأولى
السبب الأعمق لتأثير الفيدرالي هو أن الدولار لا يزال العملة المركزية في النظام المالي العالمي، حيث يُستخدم الدولار في الاحتياطيات الرسمية للبنوك المركزية، وفي تسعير جانب كبير من التجارة الدولية، وفي إصدار الديون عبر الحدود، وفي معاملات سوق الصرف.
وبحسب تقرير للفيدرالي عن الدور الدولي للدولار، شكّلت العملة الأميركية 58% من الاحتياطيات الأجنبية الرسمية المعلنة عالمياً في 2024، مقابل 20% لليورو و6% للين الياباني و5% للجنيه الإسترليني و2% فقط للرنمينبي الصيني، كما تشير بيانات الفيدرالي إلى أن الدولار كان طرفاً في نحو 88% من معاملات سوق الصرف العالمية في مسح بنك التسويات الدولية لعام 2022.
هذا يعني أن أي تغيير في عائد الدولار يغير فوراً حسابات المستثمرين، ومديري الاحتياطيات، ووزارات المالية، والبنوك المركزية حول العالم.
سندات الخزانة تسعر المال عالمياً
القناة الثانية هي سوق سندات الخزانة الأميركية، فهذه السوق تُعامل باعتبارها المرجع الأهم للعائد الخالي من المخاطر عالمياً.
وعندما ترتفع عوائد السندات الأميركية، ترتفع معها عادة تكلفة الاقتراض السيادي وقروض الشركات في أسواق عديدة؛ لأن المستثمرين يطلبون علاوة أعلى للاحتفاظ بأصول أكثر خطورة من الدين الأميركي.
لذلك لا تنظر الأسواق فقط إلى قرار الفائدة القصيرة الأجل، بل إلى أثره على عائد السندات لأجل عامين وعشرة أعوام.
وقبل قرار اليوم، تحرك عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات قرب 4.43%، وهو مستوى يراقبه المستثمرون باعتباره معياراً لتكلفة التمويل العالمية، من الرهن العقاري الأميركي إلى سندات الأسواق الناشئة.
الأسواق الناشئة الأكثر حساسية
تتأثر الأسواق الناشئة بدرجة أكبر لأنها تعتمد غالباً على التمويل الخارجي، ولدى شركاتها وحكوماتها ديون مقومة بالدولار؛ فعندما يرتفع الدولار أو ترتفع الفائدة الأميركية، تزيد كلفة خدمة هذه الديون بالعملة المحلية، وقد تضطر البنوك المركزية إلى رفع الفائدة محلياً حتى لو كان الاقتصاد بحاجة إلى دعم.
صندوق النقد الدولي حذّر في 2022 من أن رفع الفائدة الأميركية بوتيرة أسرع من المتوقع قد يؤدي إلى اضطراب الأسواق المالية وخروج رؤوس الأموال وتراجع عملات الاقتصادات الناشئة.
وفي 2023، أشار الصندوق إلى أن صعود الدولار في 2022 ألحق ضرراً أكبر بالأسواق الناشئة مقارنة بالاقتصادات المتقدمة، عبر خروج رؤوس الأموال وارتفاع أسعار الواردات وتشديد شروط التمويل.
هذا هو السبب في أن بنوكاً مركزية كثيرة لا تستطيع تجاهل الفيدرالي، فهي لا تنسخ قراره بالضرورة، لكنها تتحرك ضمن المجال الذي يتركه لها الدولار.
الدول المرتبطة بالدولار تتحرك أسرع
يرى خبراء مصرفيون أنه في الاقتصادات التي ترتبط عملاتها بالدولار، يكون تأثير الفيدرالي أكثر مباشرة، ففي دول الشرق الأوسط مثال واضح؛ فمعظم عملاتها مربوطة بالدولار، باستثناء الكويت التي تربط الدينار بسلة عملات؛ لذلك تتحرك البنوك المركزية الخليجية غالباً بعد قرارات الفيدرالي للحفاظ على استقرار الربط ومنع فجوات كبيرة في أسعار الفائدة قد تشجع على المضاربة أو خروج السيولة.
هذه القاعدة تجعل قرار الفيدرالي مؤثراً فورياً على تكلفة التمويل في قطاعات مثل العقار والبنوك والشركات والاستثمار الحكومي في المنطقة؛ فخفض الفائدة الأميركية يدعم الائتمان والنشاط غير النفطي، بينما يرفع التشديد كلفة الاقتراض ويمتص جزءاً من السيولة.
حتى البنوك المستقلة تراقب واشنطن
البنوك المركزية ذات العملات العائمة، مثل البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا وبنك اليابان، لا تتبع الفيدرالي آلياً، لكنها تراقبه بدقة لأن قراراته تؤثر في سعر صرف اليورو والجنيه والين، وفي أسعار الطاقة والسلع، وفي حركة رأس المال العالمية.
وإذا أبقى الفيدرالي الفائدة مرتفعة بينما يخفض بنك آخر فائدته، قد تضعف عملة ذلك البلد أمام الدولار، ما يزيد تكلفة الواردات ويغذي التضخم، وإذا رفع البنك المحلي الفائدة لمجاراة الفيدرالي، قد يضغط ذلك على النمو والائتمان، لذلك تصبح قرارات الفيدرالي عاملاً رئيسياً في معادلة السياسة النقدية حتى خارج الدول المرتبطة بالدولار.
الأسواق تتحرك قبل القرار
عادة لا تنتظر الأسواق صدور قرار الفيدرالي نفسه، فهي تعيد التسعير قبل الاجتماع بناءً على البيانات الاقتصادية وتصريحات أعضاء البنك وتوقعات التضخم؛ لذلك قد تتحرك العملات والسندات والأسهم بقوة حتى إذا جاء القرار مطابقاً للتوقعات.
في يوليو تموز 2025، مثلاً، أدى تحفظ الفيدرالي في الإشارة إلى خفض قريب للفائدة إلى ارتفاع عوائد الخزانة والدولار وتراجع الأسهم، بحسب رويترز.
وفي سبتمبر أيلول 2022، دفع تشدد الفيدرالي الدولار إلى أعلى مستوى في عقدين، ما زاد الضغوط على العملات والأسواق العالمية.
ماذا يعني تثبيت اليوم؟
يرى خبراء مصرفيون أن تثبيت الفائدة اليوم يعني أن الفيدرالي لا يرى سبباً كافياً للتيسير بعد، رغم الضغوط السياسية والمالية الداعية إلى خفض تكلفة الاقتراض، لكنه سيعني أيضاً أن البنك لا يريد تشديد السياسة فوراً، في ظل ضبابية التضخم وأسعار الطاقة والنمو.
بالنسبة للأسواق، لن يكون السؤال الأهم هو "هل ثبت الفيدرالي الفائدة؟"، بل هل ما زال يميل إلى الخفض لاحقاً؟ أم أن التثبيت أصبح جسراً نحو تشديد جديد إذا بقي التضخم مرتفعاً؟
والإجابة عن هذا السؤال ستحدد اتجاه الدولار، وعوائد سندات الخزانة، وتدفقات الأموال إلى الأسواق الناشئة، وقرارات بنوك مركزية كثيرة خلال الأسابيع المقبلة، فالفيدرالي لا يدير اقتصاد العالم رسمياً، لكنه يحدد سعر العملة التي يدور حولها جانب كبير من الاقتصاد العالمي.