عندما يرفع البنك المركزي أسعار الفائدة، لا تتأثر جميع الأسهم بالطريقة نفسها، فغالباً ما تكون أسهم النمو أولى الضحايا، بينما تبدو أسهم القيمة أكثر قدرة على الصمود، ويعود ذلك إلى اختلاف جوهري في طريقة تقييم كل منهما، وطبيعة الأرباح التي يعتمد عليها المستثمرون عند تحديد القيمة العادلة للشركات. أسهم النمو.. رهان على أرباح المستقبل
تعتمد أسهم النمو، مثل العديد من شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، على توقعات بتحقيق أرباح كبيرة في المستقبل أكثر من اعتمادها على الأرباح الحالية. لذلك، يعتمد تقييم هذه الشركات بدرجة كبيرة على الأرباح والتدفقات النقدية المستقبلية، وليس فقط على ما تحققه اليوم من أرباح.
وعندما ترتفع أسعار الفائدة، يستخدم المستثمرون معدل خصم أعلى عند احتساب القيمة الحالية لهذه الأرباح المستقبلية، ما يؤدي إلى انخفاض قيمتها الحالية، وبالتالي تتراجع تقييمات أسهم النمو بصورة ملحوظة.
ثلاثة أسباب تجعل أسهم النمو الأكثر حساسية للفائدة:
انخفاض القيمة الحالية للأرباح المستقبلية
كلما كانت أرباح الشركة بعيدة زمنياً، كان تأثير ارتفاع أسعار الفائدة عليها أكبر، فزيادة معدل الخصم تقلل القيمة الحالية للتدفقات النقدية المستقبلية، وهو ما يجعل أسهم النمو أكثر حساسية لأي تغيير في السياسة النقدية.
ويوضح أسواث داموداران، أستاذ التمويل في كلية ستيرن بجامعة نيويورك، أن ارتفاع معدل الخصم المستخدم في تقييم الشركات يؤدي إلى انخفاض القيمة الحالية للتدفقات النقدية المستقبلية، وهو ما يفسر الحساسية الأكبر لأسهم النمو تجاه ارتفاع أسعار الفائدة مقارنة بأسهم القيمة.
رفع الفائدة لمواجهة التضخم
في العادة، تلجأ البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم، لكن هذه البيئة لا تضغط فقط على المستهلكين، بل تؤثر أيضاً في الشركات التي تعتمد على التوسع المستقبلي.
فارتفاع التضخم، إلى جانب زيادة تكلفة التمويل، يقلل جاذبية الشركات التي تقوم تقييماتها على النمو طويل الأجل، ما يجعل أسهم النمو أكثر عرضة للتراجع مقارنة بأسهم القيمة.
ارتفاع تكلفة الاقتراض
تعتمد شركات النمو عادة على الاقتراض وجمع التمويل لتمويل خطط التوسع والاستثمار، سواء في البحث والتطوير أو التوسع الجغرافي أو بناء مراكز البيانات والمصانع.
ومع ارتفاع أسعار الفائدة، تصبح تكلفة الاقتراض أعلى، ما يضغط على هوامش الربحية ويؤجل بعض خطط التوسع والاستثمار، وهو ما ينعكس سلباً على تقييمات شركات النمو. وتشير دراسة How Investing Just $100 a Month in Stocks Could Transform Your Wealth in 30 Years إلى أن ارتفاع الفائدة يقلص أرباح الشركات عبر زيادة تكاليف الاقتراض، بينما تكون أسهم النمو أكثر حساسية لهذه التغيرات مقارنة بأسهم القيمة.
لماذا تصمد أسهم القيمة بشكل أفضل؟
على الجانب الآخر، تعتمد أسهم القيمة على شركات تحقق أرباحاً وتدفقات نقدية قوية في الوقت الحالي، وغالباً ما تكون تقييماتها أقل مقارنة بأسهم النمو.
ولأن الجزء الأكبر من قيمتها يأتي من أرباح قريبة زمنياً، فإن تأثير ارتفاع معدل الخصم يكون محدوداً نسبياً، كما أن اعتمادها الأقل على الاقتراض يجعلها أكثر قدرة على تحمل دورة تشديد السياسة النقدية.
أمثلة توضح الفرق
من أبرز الأمثلة على أسهم النمو شركات مثل
إنفيديا وأمازون وتسلا وبالانتير، بينما تضم أسهم القيمة شركات مثل بيركشاير هاثاواي وجي بي مورغان وبنك أوف أميركا وكوكا كولا وإكسون موبيل وشيفرون، ولا توجد قائمة ثابتة لهذه الفئات، إذ يعتمد التصنيف على خصائص الشركة وتقييمها في كل مرحلة.
ويمكن توضيح الفكرة بالمثال التالي: إذا كان المستثمرون يتوقعون أن تحقق إنفيديا معظم أرباحها خلال السنوات العشر المقبلة بفضل طفرة الذكاء الاصطناعي، فإن رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة يؤدي إلى انخفاض القيمة الحالية لتلك الأرباح المستقبلية، ما قد يدفع السهم إلى التراجع حتى لو لم تتغير أعمال الشركة أو توقعات نموها.
في المقابل، تحقق كوكا كولا أرباحاً مستقرة وتوزع أرباحاً نقدية بصورة منتظمة في الوقت الحالي، لذلك يكون تأثير ارتفاع أسعار الفائدة على تقييمها أقل، وغالباً ما يكون أداء سهمها أكثر استقراراً مقارنة بأسهم النمو.
ولهذا السبب، تشهد الأسواق في كثير من الأحيان ما يعرف بـ«تناوب القطاعات»، إذ يميل المستثمرون إلى تقليص استثماراتهم في أسهم النمو والتحول نحو أسهم القيمة والقطاعات الدفاعية خلال فترات تشديد السياسة النقدية.
«لا يعد تصنيف الشركات إلى أسهم نمو أو أسهم قيمة ثابتاً، إذ قد تنتقل بعض الشركات من فئة إلى أخرى مع نضوج أعمالها، وتحسن تدفقاتها النقدية، وتغير تقييماتها في السوق».
وأخيراً، فإن ارتفاع أسعار الفائدة لا يؤثر في جميع الأسهم بالقدر نفسه، بل يعيد رسم خريطة التقييمات داخل الأسواق المالية، وكلما اعتمدت الشركة على أرباح مستقبلية بعيدة، زادت حساسيتها لارتفاع الفائدة، بينما تميل الشركات التي تحقق أرباحاً حالية وتتمتع بتدفقات نقدية مستقرة إلى الصمود بصورة أفضل، ولهذا غالباً ما تشهد الأسواق انتقالاً في السيولة من أسهم النمو إلى أسهم القيمة خلال دورات التشديد النقدي.