من الفائدة إلى الثروة.. لماذا تراجعت قدرة الفيدرالي على كبح التضخم؟
كريم سعيد
تاريخ النشر: قبل 4 ساعات
آخر تعديل: قبل ساعتين
كيفن وورش رئيس الفيدرالي الأميريكي (أ ف ب)
كيفن وورش رئيس الفيدرالي الأميريكي (أ ف ب)
اختلف المشهد المالي في الولايات المتحدة مؤخراً، حيث لم تعد زيادة أسعار الفائدة تضغط على الأميركيين بالقوة نفسها؛ فبينما تتآكل موازنات الأسر المعتمدة على الأجور والائتمان، يواصل صعود الأسهم والعقارات تغذية ثروة الشرائح الأعلى دخلاً، مانحاً إياها القدرة على الإنفاق رغم تشديد السياسة النقدية.
ويرى خبراء أسواق المال أن أسعار الأصول المرتفعة، لا الفائدة المنخفضة وحدها، أصبحت مصدراً مهماً لاستمرار الطلب والتضخم، بما يضعف الأدوات التقليدية للاحتياطي الفيدرالي، بحسب فايننشال تايمز.
هل فقدت الفائدة تأثيرها على القوى الشرائية؟
يقول الخبراء إن الفائدة تعمل عادة عبر رفع تكلفة الرهن العقاري وقروض السيارات وبطاقات الائتمان، ما يدفع الأسر إلى تأجيل المشتريات ويقلص الطلب الكلي، لكن هذه القناة تفترض تعرضاً متقارباً لتكاليف الاقتراض، وهو ما لا ينطبق على الاقتصاد الأميركي الحالي.
تشير التقارير الصحفية إلى أن كثيراً من مالكي المنازل ثبّتوا رهونهم عند معدلات منخفضة قبل دورة التشديد الأخيرة، وقدّر بحث للاحتياطي الفيدرالي أن ظاهرة «الانغلاق» في القروض الرخيصة فسّرت 44% من تراجع انتقال أصحاب الرهون بين المنازل خلال 2021 و2022، ما حمى تدفقاتهم النقدية من الزيادات اللاحقة للفائدة، وإن كان قد جمّد المعروض السكني ودعم الأسعار.
وفي المقابل، تتحمل الأسر المستأجرة أو المعتمدة على بطاقات الائتمان والقروض المتغيرة العبء بسرعة أكبر، وهكذا تضغط السياسة النقدية بقوة على المستهلك الهش، بينما تترك مالك المنزل الممول بفائدة ثابتة، والمستثمر صاحب المحفظة الكبيرة، أقل تعرضاً للصدمات.
الثروة الورقية تتحول إلى طلب حقيقي
بلغ صافي ثروة الأسر الأميركية في الربع الثالث من 2024 مستوى، يزيد بأكثر من 50 تريليون دولار على نهاية 2019، أو نحو 20% بعد احتساب التضخم.
وأضاف ارتفاع الأسهم قرابة 20 تريليون دولار إلى المحافظ الأسرية، فيما حققت العقارات زيادة مماثلة، وفق بيانات عرضها نائب رئيس الاحتياطي الفيدرالي فيليب جيفرسون.
وبحسب خبراء مصرفيون لا تُنفق هذه المكاسب كاملة؛ إذ تُظهر دراسة للفيدرالي أن كل دولار إضافي من ثروة أعلى 20% دخلاً يرفع إنفاقهم بنحو 0.8 سنت فقط، مقارنة بـ7.5 سنت لدى بقية الأسر، لكن الحجم الهائل للأصول المملوكة للأثرياء يجعل النسبة الصغيرة مؤثرة في الطلب الكلي.
كما أن تركّز الثروة ازداد بمرور الوقت، حيث تشير بيانات دراسة الفيدرالي إلى أن أعلى خمس أسر دخلاً امتلكت في نهاية 2024 حصة من الثروة تزيد بنحو عشر نقاط مئوية على مستواها في 1989، وكانت الأسهم المحرك الأكبر لهذا التراكم.
إنفاق على شكل حرف «K».. ماذا يعني ذلك؟
تؤكد بيانات بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك أن نمو الإنفاق منذ 2023 لم يكن واسع النطاق، بل قادته الأسر التي يتجاوز دخلها السنوي 125 ألف دولار.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت ثروة أصحاب الدخول العليا أكثر، بينما واجهت الشرائح الأدنى تضخماً أشد بسبب الوزن الأكبر للغذاء والسكن والطاقة في موازناتها.
ويرى الخبراء المصرفيون أن رفع الفائدة قد يبطئ قطاعات حساسة للائتمان ويضغط على العمال، من دون خفض إنفاق مالكي الأصول بالقدر المطلوب.
وإذا ظلت الأسهم والعقارات مرتفعة، فقد يضطر الفيدرالي إلى تشديد أكبر أو أطول، بما يفاقم الضرر الواقع على الفئات الأقل استفادة من طفرة الثروة.
الفائدة لا تستطيع إعادة توزيع العبء
ويقول الخبراء أن ذلك لا يعني أن السياسة النقدية أصبحت عديمة الفاعلية؛ فهي تظل قادرة على خفض الاستثمار والائتمان والتوظيف وتثبيت توقعات الأسعار، لكن توزيع الثروة غيّر قوة قنوات انتقالها، وهي حقيقة يقول صندوق النقد إن البنوك المركزية باتت مطالبة بإدخالها في نماذجها، لأن تفاوت الدخل والسيولة يحدد استجابة الاستهلاك للفائدة.
والحل لا يكمن في تحويل الفيدرالي إلى هيئة لإعادة توزيع الثروة، بل في مزج السياسة النقدية بأدوات مالية أكثر دقة، يجمع بين ضرائب أكثر اتساقاً على مكاسب رأس المال والعقارات، تقليص الإعفاءات التي تشجع الاحتفاظ بالأصول، وزيادة المعروض السكني، إلى جانب تحويلات مستهدفة وممولة بإيرادات حقيقية بدلاً من العجز.