تتجه أنظار المستثمرين هذا الأسبوع إلى ندوة جاكسون هول في ولاية وايومنغ الأميركية، حيث يبرز سؤال يتزايد حضوره في الأسواق العالمية: هل ستضطر البنوك المركزية في النهاية إلى مساعدة الحكومات على تحمل أعباء ديونها المتزايدة؟ ويأتي هذا النقاش مع ارتفاع تكاليف الاقتراض على الحكومات المثقلة بالديون، وتزايد الضغوط في أسواق السندات السيادية، ما يعيد إلى الواجهة مفهومًا اقتصاديًا يُعرف باسم «الهيمنة المالية».
ويقصد بالهيمنة المالية أن تعتمد الحكومة على البنك المركزي لشراء سنداتها أو تقديم الدعم لها عندما تصبح غير قادرة على إدارة أعباء ديونها من خلال السياسات المالية وحدها.
ويُعد هذا السيناريو من المحرمات الاقتصادية في الدول المتقدمة، بسبب المخاطر التي قد تترتب عليه، وفي مقدمتها ارتفاع
التضخم وتراجع قيمة العملة وفقدان المستثمرين الأجانب الثقة في السندات الحكومية.
لماذا يزداد القلق الآن؟
ارتفعت مستويات الدين العام بصورة مستمرة منذ الأزمة المالية العالمية في 2008، قبل أن تقفز بشكل أكبر خلال جائحة كورونا.
وفي الولايات المتحدة، تجاوز عجز الموازنة 4% من الناتج الاقتصادي سنويًا منذ 2019، وهو مستوى يرتبط عادة بفترات الركود، رغم استمرار الاقتصاد في النمو.
وفي الوقت نفسه، بدأ المستثمرون يظهرون علامات على تراجع قدرتهم على استيعاب المزيد من إصدارات الديون.
وارتفعت عوائد
السندات الأميركية طويلة الأجل بشكل حاد، ما أدى إلى زيادة تكلفة الاقتراض على الحكومة الأميركية.
وحاولت وزارة الخزانة تخفيف الضغوط من خلال زيادة عمليات إعادة شراء السندات القديمة، لكن قدرتها على التدخل تظل محدودة مقارنة بالاحتياطي الفيدرالي، إذ لا تستطيع الخزانة خلق الأموال لشراء الديون.
ماذا يحدث عندما ترتفع تكلفة الاقتراض؟
من الناحية النظرية، يفترض أن تدفع زيادة تكاليف الاقتراض الحكومة إلى ضبط أوضاعها المالية من خلال خفض الإنفاق أو زيادة الضرائب.
لكن هذه الخيارات عادة ما تكون مكلفة سياسيًا، ما قد يدفع الحكومات إلى البحث عن حلول بديلة.
ومن بين أخطر هذه الخيارات اللجوء إلى تمويل العجز عبر البنك المركزي، أي زيادة المعروض النقدي لتمويل الإنفاق الحكومي.
وقد ارتبطت مثل هذه السياسات تاريخيًا بحالات تضخم مفرط، من بينها الأرجنتين وألمانيا في فترة جمهورية فايمار.
ولهذا السبب، حظرت الاقتصادات المتقدمة هذا النوع من التمويل بشكل رسمي خلال العقود الأخيرة.
هل يمكن أن تتدخل البنوك المركزية؟
تتمتع البنوك المركزية الكبرى، مثل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان، باستقلال رسمي عن الحكومات.
لكن التاريخ يظهر أن الحدود بين استقلال السياسة النقدية والاحتياجات المالية للحكومات ليست دائمًا واضحة.
ففي عام 2011، أطلق الاحتياطي الفيدرالي الأميركي برنامج «عملية تويست»، الذي تضمن بيع سندات قصيرة الأجل وشراء سندات طويلة الأجل بهدف خفض تكاليف الاقتراض في الاقتصاد.
ورغم أن البرنامج استند رسميًا إلى أهداف الاحتياطي الفيدرالي المتعلقة بالتوظيف والتضخم، فإنه أسهم أيضًا في خفض تكلفة تمويل الحكومة الأميركية.
وفي اليابان، أبقى البنك المركزي على سقف لعوائد السندات طويلة الأجل لما يقرب من عقد، ما ساعد الحكومة، التي تُعد من الأكثر مديونية عالميًا، على تمويل نفسها.
كما واجه البنك المركزي الأوروبي انتقادات بشأن برامج شراء السندات التي نفذها خلال أزمات الديون.
ماذا يعني ذلك للأسواق؟
إذا اضطرت البنوك المركزية إلى دعم الحكومات بشكل مباشر أو غير مباشر، فقد يؤدي ذلك إلى تراجع استقلالية السياسة النقدية، خصوصًا إذا أصبح الهدف الأساسي هو إبقاء تكاليف الاقتراض الحكومية منخفضة.
وقد يؤدي ضخ مزيد من السيولة إلى الاقتصاد إلى زيادة التضخم وإضعاف العملة، بينما قد يؤدي فقدان المستثمرين الثقة في السندات الحكومية إلى ارتفاع العوائد، ما يزيد تكلفة خدمة الدين بدلًا من خفضها.
ولهذا، يراقب المستثمرون عن كثب تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش خلال جاكسون هول، بحثًا عن أي مؤشرات بشأن موقفه من العلاقة بين السياسة النقدية والمالية.
السؤال الأكبر
لا تزال فكرة تدخل البنوك المركزية لإنقاذ الحكومات من أعباء الديون سيناريو افتراضيًا، لكن تنامي مستويات الدين وارتفاع تكاليف الاقتراض يعيدان النقاش إلى الواجهة.
وتشير التجارب التاريخية إلى أن الجدل حول استقلال البنوك المركزية يشتد عادة خلال فترات الضغوط الاقتصادية والمالية.
وخلال الحرب العالمية الثانية، على سبيل المثال، أبقى الاحتياطي الفيدرالي على سقف لعوائد السندات الحكومية الأميركية للمساعدة في تمويل المجهود الحربي.
وانتهى هذا الترتيب باتفاق الخزانة والاحتياطي الفيدرالي لعام 1951، الذي يُنظر إليه باعتباره محطة رئيسية في استعادة استقلال البنك المركزي الأميركي.