قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، إن الارتفاع الأخير في عوائد السندات الأميركية يرجع إلى «قضايا عالمية»، من دون تقديم تفاصيل إضافية بشأن العوامل التي يقصدها. وجاءت تصريحات بيسنت للصحفيين قبيل جلسة استماع أمام لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب الأميركي، في وقت تجاوز فيه عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات مستوى 5%، مسجلًا أعلى مستوياته منذ عام 2007، وفقًا لرويترز.
وتأتي القفزة في العوائد وسط موجة بيع واسعة في أسواق السندات العالمية، إذ ارتفع متوسط عائد السندات لأجل 10 سنوات في دول مجموعة السبع إلى نحو 4.285%، وهو أعلى مستوى منذ منتصف 2008، بحسب رويترز.
ارتفاع العوائد يضغط على الاقتصاد والأسواق
يعكس ارتفاع عوائد سندات الخزانة زيادة العائد الذي يطلبه المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالدين الحكومي الأميركي، كما يرفع تكلفة الاقتراض عبر الاقتصاد، من الرهون العقارية وقروض السيارات إلى تمويل الشركات والبلديات.
ويأتي تجاوز عائد السندات لأجل 10 سنوات مستوى 5% في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن التضخم، خصوصًا مع ارتفاع
أسعار النفط، إلى جانب استمرار إصدار كميات كبيرة من الديون الحكومية والخاصة.
كما أسهمت الزيادة الكبيرة في اقتراض شركات التكنولوجيا لتمويل الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في زيادة المعروض من السندات، بينما يطالب المستثمرون بعوائد أعلى في ظل المخاطر المالية والتضخمية.
ويشكل مستوى 5% نقطة مهمة للأسواق، إذ يجعل السندات أكثر جاذبية مقارنة بالأسهم، كما قد يؤدي استمرار ارتفاع العوائد إلى الضغط على تقييمات الشركات، خصوصًا شركات النمو التي تعتمد قيمتها بدرجة كبيرة على أرباح مستقبلية.
التضخم والنفط يرفعان رهانات الفائدة
يتزامن ارتفاع عوائد السندات مع عودة الضغوط التضخمية، مدفوعة جزئيًا بارتفاع أسعار النفط نتيجة الاضطرابات المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط.
وكان سعر خام برنت قد تجاوز 105 دولارات للبرميل، بينما عزز ارتفاع أسعار الطاقة توقعات استمرار الضغوط على التضخم، ما دفع الأسواق إلى زيادة رهاناتها على تشديد السياسة النقدية الأميركية.
وتتوقع الغالبية العظمى من الاقتصاديين الذين استطلعت رويترز آراءهم أن يرفع
مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماعه المنعقد يومي 15 و16 سبتمبر، إلى نطاق بين 3.75% و4%، مع توقعات بزيادة أخرى خلال الأشهر التالية.
ويمثل ذلك تحولًا في توقعات الأسواق التي كانت تراهن في وقت سابق على موقف أكثر تيسيرًا من البنك المركزي.
بيسنت أمام الكونغرس
أدلى بيسنت بتصريحاته قبيل جلسة استماع أمام لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب، والتي تركز رسميًا على النظام المالي الدولي وإصلاحات محتملة في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
لكن الجلسة جاءت في توقيت تفرض فيه تحركات أسواق السندات نفسها على أجندة السياسة الاقتصادية الأميركية، إلى جانب العقوبات المالية التي تفرضها إدارة الرئيس دونالد ترامب على إيران.
وشهدت بداية الجلسة احتجاجات متتالية، إذ طالب عدد من المحتجين بإنهاء العقوبات على إيران والحرب، ما أدى إلى توقف بيسنت عن إلقاء كلمته الافتتاحية قبل استئنافها بعد إخراج المحتجين من القاعة.
محادثات أميركية مع الصين بشأن إيران
وفي الجلسة، قال بيسنت إن الإدارة الأميركية أجرت محادثات خاصة مع الصين بشأن الروابط المالية مع إيران.
وأضاف أن مناقشات الرئيس دونالد ترامب بشأن إيران مع الرئيس الصيني شي جين بينغ ستستمر خلال قمة مرتقبة بينهما في وقت لاحق من الشهر.
وتضيف هذه التصريحات بُعدًا جيوسياسيًا إلى الضغوط التي تواجه الأسواق المالية، في وقت أصبحت فيه أسعار الطاقة والعقوبات والتوترات التجارية والسياسة النقدية عوامل مترابطة تؤثر في حركة رأس المال وعوائد السندات.
«قضايا عالمية».. لكن الأسواق تراقب واشنطن
رغم أن بيسنت اكتفى بوصف العوامل وراء ارتفاع العوائد بأنها «قضايا عالمية»، فإن تحركات السوق تشير إلى مزيج من الضغوط، من ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم إلى زيادة احتياجات التمويل وتنامي المخاوف بشأن الوضع المالي الأميركي.
وتزامن ذلك أيضًا مع ارتفاع تكاليف الاقتراض في اقتصادات كبرى أخرى، إذ وصلت عوائد السندات الحكومية في مجموعة السبع إلى مستويات لم تُسجل منذ الأزمة المالية العالمية تقريبًا.
وتشير هذه التطورات إلى أن ارتفاع عوائد السندات لم يعد مجرد تحرك في سوق الدين الأميركي، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في تكلفة التمويل العالمية، وأسعار الأصول، والسياسة النقدية، وقدرة الحكومات والشركات والأسر على الاقتراض.
(رويترز)