بعد اختراق 5%.. لماذا تخشى الأسواق وصول العائد الأميركي إلى 6%؟

بعد اختراق 5%.. لماذا تخشى الأسواق وصول العائد الأميركي إلى 6%؟ (أ ف ب)
بعد اختراق 5%.. لماذا تخشى الأسواق وصول العائد الأميركي إلى 6%؟
بعد اختراق 5%.. لماذا تخشى الأسواق وصول العائد الأميركي إلى 6%؟ (أ ف ب)

تجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات حاجز 5% ووصل إلى أعلى مستوياته منذ 2007، لكن الأسواق لم تنهَر. الآن، يتعامل المستثمرون مع هذا المستوى باعتباره محطة عابرة لا سقفاً، ويتساءلون عن الثمن إذا كانت الوجهة التالية هي 6%.

لسنوات، كان حاجز 5% الرقم الذي يُفترض أن تبدأ عنده الاضطرابات: تتراجع الأسهم، ويتجمد سوق العقارات، وترتفع تكلفة الاقتراض على الشركات والحكومة الأميركية.

لكن العائد اخترق هذا المستوى خلال سبتمبر ووصل إلى نحو 5.11%، من دون أن يشهد العالم حتى الآن موجة بيع واسعة في الأصول.

هذه القدرة على الصمود لم تُلغِ المخاوف، بل رفعت مستوى السؤال: إذا كانت الأسواق استطاعت تحمّل 5%، فأين تقع نقطة الألم الجديدة؟

بعض المحللين يضعها اليوم في نطاق يتراوح بين 5.5% و6%. وعند هذه المستويات، قد يبدأ المستثمرون بإعادة تقييم واسعة للأسهم والعقارات والائتمان، بعدما يصبح العائد شبه الخالي من مخاطر التعثر منافساً قوياً للاستثمارات الأكثر خطورة.

ولفهم حجم التأثير، يجب أولاً معرفة سبب أهمية عائد العشر سنوات.

لماذا يهم عائد العشر سنوات؟

تمثل سندات الخزانة الأميركية الأساس الذي تُبنى عليه تكلفة التمويل في أكبر اقتصاد في العالم.

فعائد السندات لعشر سنوات يؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في فوائد الرهون العقارية وقروض الشركات، كما يدخل في تقييم الأسهم والعقارات وعدد كبير من الأصول المالية حول العالم.

وتكمن حساسية التحرك في ضخامة السوق نفسها، إذ تبلغ قيمة سوق سندات الخزانة الأميركية نحو 29 تريليون دولار، وتمثل المرجع الذي تُسعّر على أساسه غالبية الأصول المالية عالمياً.

ولذلك، فإن انتقال العائد من 5% إلى 6% لن يكون مجرد زيادة قدرها نقطة مئوية واحدة، بل قد يعني إعادة تسعير عميقة لتكلفة رأس المال.

فعندما يرتفع العائد، تصبح الحكومة الأميركية مضطرة إلى دفع فائدة أعلى لجذب المشترين إلى سنداتها. لكن التأثير لا يتوقف عند الحكومة.

فالمستثمر الذي يستطيع الحصول على عائد مرتفع من سندات الخزانة قد لا يقبل بشراء أسهم أو سندات شركات أكثر خطورة، إلا إذا قدمت له عائداً أعلى مقابل تحمل تلك المخاطر.

وهكذا ينتقل ارتفاع عائد الخزانة إلى مختلف أنحاء النظام المالي.

لماذا ترتفع العوائد؟

عادةً ما ترتفع عوائد السندات عندما يبيع المستثمرون السندات القائمة، فتنخفض أسعارها ويرتفع العائد عليها. إذ تتحرك أسعار السندات وعوائدها في اتجاهين متعاكسين.

لكن موجة الارتفاع الحالية لا تعتمد على عامل واحد.

أولاً، لا يزال التضخم أعلى من هدف الاحتياطي الفدرالي البالغ 2%، فيما أعاد ارتفاع أسعار النفط والطاقة المخاوف من موجة جديدة من الضغوط السعرية.

ودفع ذلك الفدرالي إلى رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في سبتمبر، إلى نطاق يتراوح بين 3.75% و4%، مع إشارة غالبية صناع السياسة إلى احتمال رفعها مجدداً قبل نهاية العام.

ثانياً، لا يزال الاقتصاد الأميركي أكثر قوة مما توقعه كثيرون. والنمو القوي يعني أن الفدرالي لا يواجه ضغوطاً كبيرة لخفض الفائدة سريعاً، كما يزيد احتمال استمرار الطلب والتضخم.

وأظهر مسح «إس آند بي غلوبال» ارتفاع النشاط التجاري الأميركي إلى أعلى مستوى منذ يوليو 2021 خلال سبتمبر، بالتزامن مع صعود ضغوط التكلفة، ما عزز الاعتقاد بأن الاقتصاد قادر على تحمل فائدة أعلى، ورفع توقعات زيادة الفائدة مجدداً في اجتماع أكتوبر.

ثالثاً، تطرح الحكومة الأميركية كميات كبيرة من السندات لتمويل عجز الموازنة وإعادة تمويل الديون المستحقة. وكلما ارتفع المعروض من السندات، احتاجت الخزانة إلى تقديم عائد أكثر جاذبية لضمان وجود عدد كافٍ من المشترين.

كما دخلت الشركات الكبرى على خط الاقتراض، خصوصاً شركات التكنولوجيا التي تحتاج إلى تمويل ضخم لبناء مراكز البيانات وشراء الرقائق وتطوير مشروعات الذكاء الاصطناعي، ما يزيد المنافسة على أموال المستثمرين في سوق السندات.

أما العامل الأخير، فهو ما يعرف بـ «علاوة الأجل»، أي العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمر مقابل إقراض الحكومة لعشر سنوات وتحمل مخاطر التضخم وتقلب الفائدة وعدم اليقين المالي خلال هذه الفترة.

نسبة 5%.. لم تعد كافية لإخافة الأسواق

رغم المخاوف السابقة، لم يؤدِ اختراق عائد العشر سنوات مستوى 5% إلى انهيار واسع في الأسواق حتى الآن.

ويرى محللون في «جيه بي مورغان» أن السبب قد يعود إلى تغير هيكل الاقتصاد العالمي، مع توسع قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والرعاية الصحية والخدمات.

فعدد من الشركات الكبرى يواصل الإنفاق والتوسع رغم ارتفاع تكلفة الاقتراض، إما بسبب قوة ميزانياته أو بسبب الطلب المتزايد على خدماته.

وهذا يعني أن تأثير الفائدة المرتفعة في النشاط الاقتصادي قد يكون أقل قوة مما كان عليه خلال دورات سابقة، وأن قدرة بعض الشركات على تحمل تكلفة التمويل تحسنت.

وبناءً على ذلك، يرى بعض المستثمرين أن نقطة الانكسار المحتملة للأسهم ربما أصبحت أعلى، وتقع في نطاق يتراوح بين 5.5% و6%

لكن ذلك لا يعني أن 6% تمثل رقماً سحرياً يؤدي تجاوزه تلقائياً إلى انهيار الأسواق.

فالأهم هو سبب ارتفاع العائد، وسرعة صعوده، والمدة التي يبقى خلالها مرتفعاً.

إذا كان الارتفاع ناتجاً من نمو اقتصادي قوي وأرباح مرتفعة للشركات، فقد تتمكن الأسهم من تحمله. أما إذا كان سببه تجدد التضخم أو تراجع الثقة بالمالية العامة الأميركية، فقد يكون تأثيره أكثر خطورة.

مستوى 6%.. نقطة حساسة للأسهم

تُقيّم الأسهم عادةً بناء على الأرباح والتدفقات النقدية التي يُتوقع أن تحققها الشركات مستقبلاً. وكلما ارتفع العائد الخالي من المخاطر، انخفضت القيمة الحالية لتلك الأرباح المستقبلية.

لهذا تكون أسهم التكنولوجيا والنمو من الأكثر حساسية لارتفاع العوائد، لأن جزءاً كبيراً من تقييمها يعتمد على الأرباح التي يُنتظر تحقيقها بعد سنوات.

لكن الشركات التكنولوجية العملاقة قد تكون أكثر قدرة على تحمل الصدمة بسبب أرباحها وسيولتها الضخمة. وقد يكون الخطر أكبر بالنسبة إلى الشركات الصغيرة أو غير المربحة، التي تعتمد على الاقتراض المستمر لتمويل عملياتها ونموها.

كما تصبح سندات الخزانة منافساً أقوى للأسهم. فإذا كان المستثمر يستطيع الحصول على عائد قدره 6% من أداة مدعومة بالحكومة الأميركية، فقد يطالب بعائد أعلى بكثير قبل قبول مخاطر الاستثمار في الأسهم.

المدة قد تكون أهم من مستوى العائد

تشير حسابات بول جاكسون، رئيس أبحاث توزيع الأصول عالمياً في «إنفيسكو»، إلى أن الأسهم العالمية تبدأ تاريخياً بمواجهة ضغوط أكبر عندما يبلغ متوسط عائد السندات الأميركية لعشر سنوات 4.72% خلال 12 شهراً، ثم يواصل الارتفاع.

ولا يزال متوسط العائد خلال الاثني عشر شهراً الماضية عند نحو 4.34%، أي دون هذه النقطة. لكن استمرار العائد فوق 5% لفترة طويلة قد يدفع المتوسط تدريجياً إلى منطقة أكثر حساسية للأسهم.

وهذا يعني أن الخطر لا يكمن بالضرورة في ملامسة 6% خلال جلسة واحدة، بل في بقاء العوائد مرتفعة مدة كافية لدفع المستثمرين والشركات إلى إعادة بناء حساباتهم على أساس تكلفة تمويل أعلى.

العقارات أمام تكلفة تمويل أعلى

ترتبط فوائد الرهون العقارية الأميركية بصورة وثيقة بعائد سندات الخزانة لعشر سنوات، وإن لم تتحرك معه بنسبة متطابقة.

وبحسب بيانات «فريدي ماك»، بلغ متوسط فائدة الرهن العقاري الثابت لمدة 30 عاماً نحو 6.95% في منتصف سبتمبر، مقابل 6.26% قبل عام.

وإذا ارتفع عائد العشر سنوات إلى 6% وبقي عند هذا المستوى، فمن المرجح أن ترتفع فوائد الرهون العقارية أكثر، اعتماداً على حجم الفارق الذي يضيفه المقرضون لتغطية مخاطر الائتمان والسداد المبكر وتقلبات السوق.

وستنعكس الزيادة في دفعات شهرية أكبر للمشترين، ما يقلص قدرتهم على شراء المنازل ويضعف الطلب في سوق تعاني أصلاً من تراجع القدرة على تحمل التكاليف.

كما قد يدفع ارتفاع الفائدة مالكي المنازل إلى التمسك بقروضهم القديمة منخفضة التكلفة وعدم البيع، ما يقلص المعروض ويجعل السوق أكثر جموداً.

وقد ظهرت علامات الضعف بالفعل، إذ تراجعت عقود شراء المنازل القائمة في أغسطس بنسبة 4.7% على أساس سنوي، فيما بقيت عمليات التعاقد أقل بنحو 30% من مستويات ما قبل جائحة كورونا.

من يتضرر أكثر بين الشركات؟

لا تتأثر جميع الشركات بالطريقة نفسها. فالشركات الكبيرة التي تمتلك سيولة مرتفعة وديوناً طويلة الأجل بفوائد ثابتة تستطيع تأجيل أثر ارتفاع العوائد. أما الشركات الصغيرة التي تحتاج إلى الاقتراض المتكرر، فتواجه الصدمة بسرعة أكبر.

وتعد قطاعات العقارات والإسكان والمرافق والسلع الاستهلاكية من الأكثر حساسية، بسبب اعتمادها على التمويل أو تأثر مبيعاتها بقدرة المستهلك على الاقتراض.

كما قد تفقد الأسهم التي تجذب المستثمرين من خلال توزيعات الأرباح بعض جاذبيتها.

فإذا كان سهم شركة مرافق يقدم عائداً من التوزيعات يبلغ 3%، بينما تقدم سندات الخزانة عائداً يتراوح بين 5% و6%، فقد يفضل بعض المستثمرين العائد الحكومي الأعلى والأقل مخاطرة.

أما الشركات ذات التصنيف الائتماني المنخفض، فقد تضطر إلى دفع فوائد أعلى بكثير من 6%، لأن عائد سنداتها يُحتسب عادة بإضافة هامش للمخاطر فوق عائد الخزانة الأميركية.

التجارب السابقة.. ماذا تقول؟

تظهر التجارب التاريخية أن ارتفاع العوائد تزامن أحياناً مع تصحيحات كبيرة في الأسهم.

فقد تجاوز عائد العشر سنوات 5% قبيل الأزمة المالية العالمية، كما اقترب من 6.8% خلال الفترة التي سبقت انفجار فقاعة الإنترنت.

وخسر مؤشر «إم إس سي آي» للأسهم العالمية نحو نصف قيمته خلال كل من الأزمتين.

لكن هذه المقارنة لا تعني أن ارتفاع العوائد تسبب وحده في الانهيارين، فقد كانت هناك اختلالات أوسع في أسواق الائتمان والمساكن وتقييمات شركات التكنولوجيا.

وهي توضح فقط أن تكلفة التمويل المرتفعة قد تكشف نقاط الضعف الموجودة أصلاً في الأسواق والاقتصاد.

الأسواق الناشئة ضمن دائرة التأثير

لا يتوقف تأثير العائد الأميركي عند حدود الولايات المتحدة، لأن سندات الخزانة تمثل مرجعاً عالمياً لتسعير المخاطر.

فعندما تقدم الأصول الأميركية عائداً أعلى، تصبح أكثر جاذبية لرؤوس الأموال الدولية، ما قد يدعم الدولار ويدفع بعض المستثمرين إلى سحب أموالهم من الأسواق الناشئة.

ولم يعد هذا الخطر نظرياً بالكامل، إذ شهدت صناديق سندات الأسواق الناشئة في الأسبوع الأخير أكبر موجة خروج للأموال منذ أشهر، بالتزامن مع سحب مليارات الدولارات من صناديق الأسهم.

كما كان إصدار الديون السيادية في الأسواق الناشئة خلال سبتمبر أقل من مستوياته المعتادة.

ولا يعني ذلك أن هذه الأسواق دخلت أزمة، لكنه يكشف مدى سرعة انتقال أثر العائد الأميركي إليها عندما تصبح الأصول المقومة بالدولار أكثر جاذبية.

وتكون الدول ذات الديون المرتفعة والاحتياطيات المحدودة والعملات الضعيفة الأكثر عرضة للضغط، لأنها قد تضطر إلى رفع فوائدها للحفاظ على جاذبية أصولها ومنع خروج الأموال.

وبحسب صندوق النقد الدولي، باتت الأسواق الناشئة تعتمد بصورة متزايدة على المؤسسات المالية غير المصرفية، التي تستحوذ على نحو 80% من استثمارات المحافظ الأجنبية في ديونها.

هل تستطيع الحكومة الأميركية تحمل عائد 6%؟

تستطيع الولايات المتحدة الاقتراض بعملتها، وتمتلك أكبر سوق سندات في العالم، لذلك لا يعني وصول العائد إلى 6% أن الحكومة ستواجه أزمة تمويل فورية.

لكن المشكلة تكمن في استمرار هذا المستوى فترة طويلة. فالحكومة لا تعيد تمويل دينها بالكامل في يوم واحد. ومع استحقاق السندات القديمة منخفضة الفائدة، يجري استبدالها تدريجياً بسندات جديدة ذات عوائد أعلى، ما يرفع متوسط تكلفة الدين عاماً بعد عام.

ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن تتجاوز نفقات الفائدة الصافية على الدين الأميركي تريليون دولار في 2026، ارتفاعاً من 970 مليار دولار في العام السابق.

كما يتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس ارتفاع عجز الموازنة الأميركية من 1.9 تريليون دولار في 2026 إلى 3.1 تريليون دولار في 2036، فيما يُرجح أن تصعد صافي نفقات الفائدة من 3.3% إلى 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي.

وكلما ذهبت حصة أكبر من إيرادات الحكومة إلى دفع الفائدة، تقل المساحة المتاحة للإنفاق على البنية التحتية والتعليم والدفاع والبرامج الاجتماعية، أو تضطر الحكومة إلى زيادة الضرائب أو إصدار مزيد من الديون.

وهنا تظهر الحلقة الأصعب: ارتفاع العوائد يزيد تكلفة خدمة الدين، وارتفاع تكلفة الدين يوسع العجز، واتساع العجز يتطلب إصدار سندات إضافية قد تحتاج بدورها إلى عوائد أعلى لجذب المشترين.

هل يصل العائد فعلاً إلى 6%؟

لا يزال ذلك احتمالاً وليس توقعاً مؤكداً. فقد تتراجع العوائد إذا انخفض النفط والتضخم، أو تباطأ الاقتصاد، أو أشار الاحتياطي الفدرالي إلى انتهاء دورة رفع الفائدة. كما قد يزيد طلب المستثمرين على السندات إذا ارتفعت المخاطر الجيوسياسية أو تراجعت الأسهم.

لكن مجرد انتقال النقاش من الخوف من اختراق 5% إلى دراسة تداعيات 6% يعكس تغيراً مهماً في الأسواق.

فخلال سنوات الفائدة المنخفضة، اعتادت الحكومات والشركات والمستثمرون أن يكون المال رخيصاً. أما اليوم، فتواجه الأسواق احتمال بقاء تكلفة رأس المال مرتفعة فترة أطول.

لذلك، قد لا يكون السؤال الأهم ما إذا كان عائد العشر سنوات سيلامس 6% خلال جلسة واحدة، بل ما إذا كان سيبقى فوق 5% مدة كافية لدفع المستثمرين والشركات والحكومة الأميركية إلى إعادة بناء حساباتهم.

فالأسواق قد تبدو مستقرة الآن، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تُعاد نماذج تقييم الأسهم والعقارات والديون على أساس أن المال الرخيص لم يعد القاعدة، وأن تكلفة رأس المال المرتفعة قد تكون الوضع الجديد.

live stream

الأكثر قراءة

live stream

الأكثر مشاهدة