مديرو البنوك يتوقفون عن شراء أسهم شركاتهم.. هل يستبق المطلعون هبوط وول ستريت؟

مقر الفيدرالي الأميركي في الولايات المتحدة (شترستوك)
مقر الفيدرالي الأميركي في الولايات المتحدة
مقر الفيدرالي الأميركي في الولايات المتحدة (شترستوك)

هبطت مشتريات المسؤولين التنفيذيين لأسهم شركات القطاع المالي الأميركي إلى أدنى مستوياتها منذ نحو 23 عاماً، في إشارة تثير تساؤلات بشأن استدامة أرباح البنوك وارتفاع تقييماتها، بينما تستعد وول ستريت لاختبار جديد مع انطلاق موسم النتائج الفصلية.

كشفت بيانات شركة (VerityData) للأبحاث المالية، أن عدد المسؤولين والمطلعين الذين اشتروا أسهماً في شركاتهم بالقطاع المالي انخفض إلى 298 شخصاً فقط خلال الربع الثالث، وهو أدنى مستوى في سجلات الشركة التي تعود إلى عام 2004، مقارنة بالقاع السابق البالغ 302 مشترٍ في الربع الثالث من 2024، وفق ما نقلته مجلة فورتشن يوم الخميس 8 أكتوبر تشرين الأول 2026.

وتشمل البيانات أكثر من 3 آلاف شركة للخدمات المالية، بينها البنوك وشركات التأمين وإدارة الأصول، ما يجعل التراجع أوسع نطاقاً من أسهم المصارف الكبرى وحدها.

وبحسب الخبراء المصرفيين فإن المفارقة أن هذا العزوف يأتي في وقت تحقق فيه أنشطة التداول والخدمات المصرفية الاستثمارية إيرادات قوية، بينما تتزايد الضغوط على أسهم البنوك بفعل ارتفاع عوائد السندات وتكلفة التمويل.

لماذا يراقب المستثمرون أموال المديرين؟

تكتسب مشتريات المطلعين أهمية خاصة لأن المسؤولين التنفيذيين يمتلكون معرفة مباشرة بأداء شركاتهم وجودة أصولها وتوقعات أعمالها، وبالتالي قد تعكس قراراتهم استثمار أموالهم الشخصية ثقة في أن السوق يقلل من القيمة الحقيقية للأسهم.

ويرى جيسي فريد، أستاذ القانون بجامعة هارفارد، أن انخفاض مشتريات مسؤولي القطاع المالي قد يمثل إشارة تشاؤمية، نظراً إلى أن مشتريات المديرين ارتبطت تاريخياً بعوائد مستقبلية تتفوق على السوق في بعض الشركات، وفق فورتشن.

لكنّ ثمة فارقاً جوهرياً بين الامتناع عن الشراء والبيع الفعلي؛ فالمسؤول قد يبيع أسهماً لتنويع ثروته أو سداد الضرائب أو تنفيذ خطط تداول مسبقة، بينما يتطلب الشراء الاختياري تخصيص أموال جديدة وتحمل مخاطر إضافية.

وتظهر بيانات (VerityData) أن عدد البائعين داخل القطاع المالي كان أعلى نسبياً، لكنه لم يرتفع بمقدار استثنائي، ما يجعل الإشارة الرئيسية هي اختفاء المشترين وليس اندفاع المديرين إلى التخارج.

تقييمات مرتفعة أم مخاوف من تكلفة التمويل؟

يعتقد بن سيلفرمان، رئيس الأبحاث في (VerityData)، أن تراجع الشراء يعكس حذراً متزايداً لدى المطلعين تجاه تقييمات الأسهم، إذ يفضل المديرون الابتعاد عندما ترتفع الأسعار فوق ما يعتبرونه قيمة عادلة.

ولم يقتصر الاتجاه على المؤسسات المالية؛ فقد انخفض عدد المشترين المطلعين عبر السوق الأميركية إلى 1290 شخصاً في الربع الثالث، مقابل 1580 في الربع الثاني، بتراجع يقارب 18%.

وتتزامن هذه التطورات مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية، ما يرفع العائد المطلوب من الأسهم ويضغط على تقييماتها، فضلاً عن زيادة تكلفة اقتراض الشركات والأسر.

غير أن ارتفاع الفائدة ليس سلبياً للبنوك بصورة تلقائية، فقد يدعم هامش الفائدة على بعض القروض، لكنه قد يزيد تكلفة الودائع ويضعف الطلب على الائتمان ويرفع احتمالات التعثر.

فقد مؤشر (KBW) لأسهم البنوك الأميركية نحو 13% منذ أغسطس، رغم توقعات بنمو أرباح بعض المصارف الكبرى بما يصل إلى 20% على أساس سنوي خلال الربع الثالث، وفق رويترز.

وهذا التباين يطرح سؤالاً أساسياً: هل يعاقب المستثمرون البنوك بسبب ضعف أرباحها الحالية، أم لأنهم يتوقعون تراجع قدرتها على تحقيق أرباح مماثلة مستقبلاً؟

هل تخفي أرباح البنوك مخاطر ائتمانية مؤجلة؟

تتجه الأنظار إلى 13 أكتوبر تشرين الأول، حين تعلن جيه بي مورغان وغولدمان ساكس وسيتي غروب وويلز فارغو نتائجها الفصلية، قبل صدور نتائج مورغان ستانلي وبنك أوف أميركا في اليوم التالي.

ولا تظهر مؤشرات واضحة حتى الآن على تدهور المحافظ الائتمانية للبنوك الكبرى، لكن المستثمرين يراقبون تكلفة الودائع وجودة القروض ومستقبل أنشطة الاستثمار المصرفي، بحسب رويترز.

وتبرز مخاطر محتملة مرتبطة بالاقتراض الضخم لتمويل مشروعات الذكاء الاصطناعي، خصوصاً إذا تراجعت قدرة الشركات على توليد التدفقات النقدية اللازمة لخدمة ديونها.

وفي المقابل، لا تتحرك البنوك باتجاه واحد؛ إذ يتوقع جيه بي مورغان نمواً في رسوم الخدمات الاستثمارية، بينما حذر بنك أوف أميركا من انخفاضها بنسبة لا تقل عن 10% خلال الربع الثالث.

وقد تكشف النتائج القوية عن أرباح محققة بالفعل، لكنها لا تضمن استمرارها إذا ارتفعت تكلفة الأموال أو تباطأت أنشطة الإقراض وإبرام الصفقات.

هل تسبق مشتريات المطلعين تصحيحات السوق؟

تشير الأدبيات الأكاديمية إلى أن تداولات المطلعين قد تحمل معلومات عن اتجاه الأسهم، لكن قدرتها التنبؤية ليست ثابتة.

فقد وجدت دراسة نشرها الاقتصادي نجاة سيهون في Quarterly Journal of Economics عام 1992 علاقة بين صافي تداولات المطلعين والعوائد السوقية اللاحقة، استناداً إلى بيانات تاريخية بين 1975 و1989، دون أن يعني ذلك إمكانية التنبؤ بكل تصحيح.

وفي المقابل، أبلغ سيهون مجلة «فورتشن» أن تداولات المطلعين في البنوك تحديداً ضعيفة القدرة على التنبؤ، لأن أسعار أسهمها تتأثر بعوامل كلية، مثل الفائدة والتضخم والسياسة النقدية، لا يستطيع المديرون توقعها بالضرورة.

وتزداد أهمية هذا التحفظ مع عدم إثبات بيانات (VerityData) أن تراجع المشترين سبق تاريخياً جميع التصحيحات الكبرى.

هل بدأت النخب المالية التحوط من الهبوط؟

يرى الخبراء المصرفيون أنه قد يشير انسحاب المشترين المطلعين إلى تراجع جاذبية تقييمات الأسهم، لكنه لا يثبت وجود موجة تحوط منسقة بين كبار المديرين، ولا أن المستثمرين الأفراد يتحركون في الاتجاه المعاكس؛ فالبيانات تقيس عدد المشترين، وليس حجم السيولة المحتفظ بها أو مراكز التحوط، كما لا تقدم مقارنة مباشرة بتدفقات المستثمرين الأفراد.

وعليه، فإن الرسالة الأكثر أهمية ليست أن المسؤولين التنفيذيين يتوقعون انهيار السوق، بل أن عدد الذين يرون أسعار أسهم شركاتهم مغرية للشراء بلغ مستوى استثنائياً في انخفاضه.

ومع اقتراب نتائج البنوك، سيصبح اختبار هذه الإشارة مرتبطاً بما تقوله المؤسسات المالية عن جودة القروض وتكلفة التمويل ونمو الأرباح المستقبلية، لا بمستويات الربحية الحالية وحدها.

فربما لا يرى المطلعون أزمة وشيكة، لكن عزوفهم عن الشراء يطرح سؤالاً لا تستطيع وول ستريت تجاهله: إذا كانت آفاق القطاع المالي بهذه القوة، فلماذا يتراجع استعداد مديريه للمراهنة بأموالهم الخاصة عليه؟

live stream

الأكثر قراءة

live stream

الأكثر مشاهدة