طفرة الذكاء الاصطناعي تعيد تشكيل الاقتصاد الأميركي.. محرك للنمو ومصدر جديد للمخاطر
كريم سعيد
تاريخ النشر: قبل 3 ساعات
آخر تعديل: قبل ساعتين
طفرة الذكاء الاصطناعي ترسم ملامح الاقتصاد الأميركي (شترستوك)
طفرة الذكاء الاصطناعي ترسم ملامح الاقتصاد الأميركي (شترستوك)
تحوّل الذكاء الاصطناعي من رهان تكنولوجي بعيد المدى إلى أحد أبرز محركات الاقتصاد الأميركي، بعدما امتد تأثيره من استثمارات مراكز البيانات والرقائق إلى سوق الأسهم والإنفاق الاستهلاكي وأسعار الأجهزة الإلكترونية، لكن اعتماد النمو المتزايد على هذه الطفرة يجعل الاقتصاد أكثر عرضة لأي تراجع في أسهم التكنولوجيا أو اضطراب في أسواق الائتمان.
وتقدّر مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس» أن الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، إلى جانب مكاسب الثروة الناتجة من صعود الأسهم المرتبطة به، قد يكون مسؤولاً عن نحو ثلث النمو الاقتصادي الأميركي في الفترة الأخيرة، بحسب وول ستريت جورنال.
وقال مايكل بيرس، الاقتصادي لدى أكسفورد إيكونوميكس، إن الاستثمار المرتبط بالذكاء الاصطناعي وحده أسهم بما يقارب ربع النمو الأخير للناتج المحلي الإجمالي، محذراً من أن الاقتصاد كان سيواجه تباطؤاً أكثر وضوحاً لولا هذه الموجة الاستثمارية.
1.5 تريليون دولار في قلب الاقتصاد
تكشف تفاصيل الناتج المحلي الإجمالي عن تضخم سريع في الإنفاق على البرمجيات ومراكز البيانات ومعدات الحاسوب والاتصالات، وبلغت هذه الاستثمارات نحو 1.5 تريليون دولار على أساس سنوي، مقابل قرابة تريليون دولار قبل عامين، وفق حسابات أوردتها وول ستريت جورنال.
وسجل الاقتصاد الأميركي نمواً سنوياً قدره 1.5% خلال الربع الثاني من 2026، متباطئاً من 2.1% في الربع السابق، لكن بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأميركي أظهرت استمرار مساهمة الاستثمار والإنفاق الاستهلاكي في النمو، فيما قلّص ارتفاع الواردات من قراءة الناتج المحلي.
وبلغ الإنفاق السنوي المعدل على بناء مراكز البيانات 68.3 مليار دولار في يونيو حزيران، بزيادة 21.5 مليار دولار على العام السابق.
وفي المقابل، انخفض الإنفاق على بقية الإنشاءات الخاصة، بما يشمل المنازل ومراكز التسوق والمستشفيات، بنحو 101.6 مليار دولار خلال الفترة نفسها.
وبحسب خبراء استطلعت وول ستريت جورنال آراءهم لا تقتصر الدفعة الاقتصادية على المباني والخوادم؛ إذ يمتد الطلب إلى أنظمة التبريد والمولدات وشبكات الكهرباء والأراضي والعمالة الإنشائية الماهرة.
ويتوقع مكتب إحصاءات العمل أن يسهم الطلب على مراكز البيانات، إلى جانب مشروعات الطاقة والبنية التحتية، في إضافة نحو 380 ألف وظيفة بقطاع البناء حتى 2033.
تخطط أمازون وألفابت ومايكروسوفت وميتا لإنفاق نحو 745 مليار دولار خلال 2026، تتركز أساساً في مراكز البيانات والرقائق المتقدمة والطاقة، لترتفع استثمارات الشركات الأربع منذ بداية طفرة الذكاء الاصطناعي في 2023 إلى أكثر من 1.1 تريليون دولار، وفق فايننشال تايمز.
أما التقديرات التي جمعتها «فاكت سيت»، فتشير إلى أن الإنفاق الرأسمالي لخمس شركات كبرى هي أمازون وألفابت وميتا ومايكروسوفت وأوراكل، قد يقترب من 4 تريليونات دولار خلال السنوات الأربع المنتهية في 2029. وهذا الرقم يمثل إنفاقاً رأسمالياً متوقعاً، وليس قيمة سندات مايكروسوفت وأوراكل كما ورد في النص الأصلي.
وقدّرت رويترز، استناداً إلى توقعات غولدمان ساكس ومورغان ستانلي، أن إجمالي الاستثمار المرتبط بالذكاء الاصطناعي قد يقترب من 800 مليار دولار هذا العام، قبل أن يبلغ نحو 1.12 تريليون دولار في 2027، مقارنة بنحو 260 مليار دولار فقط أنفقها كبار مشغلي الحوسبة السحابية في 2024.
الواردات تخصم من المكاسب
ولا تتحول كل هذه النفقات إلى إنتاج أميركي مباشر، لأن جزءاً كبيراً من الرقائق والمكونات يُصنع خارج البلاد، حيث استوردت الولايات المتحدة معدات حاسوب وأشباه موصلات ومكونات إلكترونية بقيمة تقارب 90 مليار دولار من تايوان خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، مقابل نحو 20 مليار دولار في الفترة نفسها من 2024، وفق وول ستريت جورنال.
وتُسجّل الواردات كخصم عند حساب الناتج المحلي الإجمالي، ما يفسر جزئياً الفجوة بين قوة الطلب المحلي وبطء النمو المسجل، كما يعني ارتفاع أسعار الرقائق أن الشركات تدفع مبالغ أكبر دون الحصول بالضرورة على زيادة مماثلة في حجم المعدات.
وأصبحت المنافسة على رقائق الذاكرة مثالاً مباشراً على انتقال كلفة طفرة الذكاء الاصطناعي إلى المستهلك، فقد قالت أبل إنها تخطط لرفع أسعار بعض منتجاتها لمواجهة ارتفاع تكاليف رقائق الذاكرة والتخزين، فيما حذرت كوالكوم من ضغوط متزايدة على الهوامش بسبب نقص الإمدادات وارتفاع تكاليف الرقائق والتغليف والاختبارات.
سوق الأسهم يدعم الاستهلاك
تمثل سوق الأسهم القناة الثانية التي تنتقل عبرها طفرة الذكاء الاصطناعي إلى الاقتصاد الحقيقي؛ فارتفاع أسهم شركات الرقائق والحوسبة السحابية يزيد ثروة الأسر، خصوصاً مرتفعي الدخل الذين يمتلكون الحصة الأكبر من المحافظ المالية، ويشجعهم على زيادة الإنفاق.
وبحسب أحدث بيانات الاحتياطي الفيدرالي، بلغ صافي ثروة الأسر والمؤسسات غير الربحية 183 تريليون دولار بنهاية الربع الأول من 2026. وهذا يصحح رقم 174 تريليون دولار الوارد في المحتوى الأصلي.
ويقدّر الاقتصاديون عادة أن الأسر تنفق بضعة سنتات إضافية مقابل كل دولار من مكاسب الأسهم، لذلك قد يؤدي تصحيح حاد في أسهم الذكاء الاصطناعي إلى إضعاف الاستهلاك والاستثمار معاً، بدلاً من اقتصار أثره على المستثمرين في وول ستريت.
ازدهار ممول بالديون
لم تعد السيولة المتراكمة لدى شركات التكنولوجيا كافية وحدها لتمويل السباق، وتتوقع رويترز أن تصدر شركات الحوسبة السحابية الكبرى ديوناً بنحو 175 مليار دولار في 2026، ارتفاعاً من 121 مليار دولار في 2025، بينما يلتهم الإنفاق الرأسمالي قرابة 70% من تدفقاتها النقدية التشغيلية.
وتتجاوز المخاطر السندات التقليدية إلى التزامات الإيجار طويلة الأجل، فقد التزمت مايكروسوفت وميتا وأوراكل وأمازون وألفابت بنحو 1.09 تريليون دولار من مدفوعات الإيجار المستقبلية، معظمها لمراكز بيانات، ولا تظهر هذه الالتزامات بالكامل كديون في الميزانيات قبل بدء تشغيل المنشآت.
ويجعل ذلك استمرار الطفرة رهناً بثلاثة عوامل: بقاء الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي قوياً، واستمرار قدرة الشركات على الاقتراض، وثقة المستثمرين بأن الإيرادات المستقبلية ستبرر الإنفاق الحالي.
النمو يزاحم الموارد
تفرض مراكز البيانات أيضاً كلفة غير ظاهرة في أرقام الاستثمار، عبر استهلاك الكهرباء والمياه والأراضي ومزاحمة قطاعات أخرى على العمالة والمواد.
وقدّرت «ذا غارديان» أن استهلاك مراكز البيانات الأميركية للمياه قد يصل إلى 73 مليار غالون سنوياً بحلول 2028، مقابل نحو 17 ملياراً في 2023، كما أُوقفت أو تأجلت 75 منشأة أميركية بقيمة تقارب 130 مليار دولار خلال الربع الأول من 2026، وسط اعتراضات محلية على ارتفاع تكاليف الكهرباء والضغط على المياه والبنية التحتية.
وهكذا تمنح طفرة الذكاء الاصطناعي الاقتصاد الأميركي مصدراً استثنائياً للنمو، لكنها تزيد تركّزه في عدد محدود من الشركات والأسهم ومشروعات البنية التحتية كثيفة الموارد.
وقال جوناثان ميلار، الاقتصادي في باركليز، لـ«وول ستريت جورنال»: يصعب تصور بقاء الاقتصاد بهذه المرونة من دون دفعة الذكاء الاصطناعي، وهو تحديداً ما يجعل أي تعثر فيها خطراً يتجاوز وادي السيليكون إلى الاقتصاد بأكمله.