بين نار التضخم وركود النمو.. البنوك المركزية في «فخ» الحرب

حرب إيران تفرض على البنوك المركزية إعادة تقييم حادة لسياساتها (شترستوك)
حرب إيران تربك حسابات البنوك المركزية عالمياً
حرب إيران تفرض على البنوك المركزية إعادة تقييم حادة لسياساتها (شترستوك)

أدى تصاعد الأزمة في الشرق الأوسط إلى تغيير كبير في توقعات البنوك المركزية العالمية، إذ يشكل صدمة كبيرة في جانب الإمدادات ويضع صناع السياسات أمام معادلة صعبة بين دعم النمو الاقتصادي ومواجهة التضخم.

وبالنسبة للبنوك المركزية في الاقتصادات الآسيوية الناشئة، أصبح خفض أسعار الفائدة خياراً محفوفاً بالمخاطر، ليس فقط بسبب الضغوط التضخمية الإضافية الناتجة عن ارتفاع تكاليف الوقود، بل أيضاً بسبب احتمال خروج رؤوس الأموال نتيجة تدهور شروط التجارة مع الولايات المتحدة.

ووفقاً لمصادر تحدثت إلى رويترز، يتوقع أن يركز بنك الاحتياطي الهندي بشكل أكبر على دعم النمو عبر الإبقاء على أسعار الفائدة منخفضة، إلا أن الإقبال المتزايد على الدولار كملاذ آمن، الذي يتصاعد مع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، قد يدفع البنك إلى تكثيف تدخلاته لدعم عملته المتراجعة.

كما قد تضطر كل من تايلاند والفلبين إلى التخلي عن سياساتهما النقدية التيسيرية، رغم أن ارتفاع تكاليف الوقود يضر باقتصاديهما، بحسب تورو نيشيهاما، كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في معهد داي-إيتشي لايف للأبحاث في طوكيو.

وقال نيشيهاما «ستواجه العديد من البنوك المركزية قرارات صعبة في ظل الضغوط المتزايدة من الأسواق والحكومات»، مضيفاً أنه مع عدم وجود نهاية واضحة للصراع، فإن مخاطر الركود التضخمي تتزايد يوماً بعد يوم.

وشهدت أسواق الأسهم تراجعاً في آسيا يوم الاثنين، بينما ارتفع الدولار الأميركي باعتباره ملاذاً آمناً، مع صعود أسعار النفط إلى ما فوق 110 دولارات للبرميل، ما أثار مخاوف من حرب طويلة في الشرق الأوسط قد تؤثر على إمدادات الطاقة العالمية وتزيد من معدلات التضخم، الأمر الذي قد يدفع البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة.

وتبدو هذه المعادلة أكثر تعقيداً بالنسبة للاقتصادات الصناعية المعتمدة على التصنيع مثل كوريا الجنوبية واليابان، التي تعتمد بشكل كبير على التجارة العالمية واستقرار الأسواق وانخفاض تكاليف المواد الخام، وهي عوامل تتأثر سلباً بتوسع الأزمة في الشرق الأوسط.

ويرى اقتصاديون في سيتي غروب أن البنك المركزي الكوري الجنوبي، الذي أبقى أسعار الفائدة دون تغيير في فبراير، قد يتبنى موقفاً أكثر تشدداً إذا استمر التضخم أعلى بنقطة مئوية من مستواه المستهدف.

في المقابل، يرى خبراء أن البنك قد يتجنب رفع الفائدة استجابة لارتفاع أسعار النفط إذا نجحت إجراءات الحكومة في الحد من انتقال تأثير ارتفاع الوقود إلى التضخم.

وقد أسهمت المكاسب القوية لشركات صناعة الرقائق، بما في ذلك سامسونغ و«إس كيه هاينكس»، في مضاعفة مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي خلال الأشهر الستة الماضية.

التفكير في ما لا يمكن تصوره

كما تواجه البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة، مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، تحدياً مماثلاً في تحقيق التوازن بين دعم النمو والسيطرة على التضخم في ظل ضغوط سياسية متزايدة.

وتبدو المعضلة أكثر تعقيداً بالنسبة لبنك اليابان، فوفقاً لمعهد نومورا للأبحاث، فإن بقاء أسعار النفط عند 110 دولارات للبرميل لمدة عام قد يقلص النمو الاقتصادي بنحو 0.39 نقطة مئوية، وهو تأثير كبير على اقتصاد لا يتجاوز نموه المحتمل بين 0.5% و1%.

وتُظهر أستراليا ونيوزيلندا مثالاً واضحاً على الصعوبات التي تواجه صناع السياسات في اقتصادات تمر بدورات مختلفة.

ففي أستراليا، قد يؤدي استمرار ارتفاع أسعار النفط إلى ترسيخ توقعات التضخم، في وقت لا تزال فيه معدلات التضخم مرتفعة بالفعل، بحسب جوناثان كيرنز، كبير الاقتصاديين في شركة تشالنجر والمسؤول السابق في بنك الاحتياطي الأسترالي.

أما في نيوزيلندا، فتتمثل المشكلة في أن الاقتصاد لا يزال يعاني من آثار الزيادات السابقة في أسعار الفائدة.

من جانبها، قالت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا يوم الاثنين إن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 10%، إذا استمر معظم العام، قد يؤدي إلى زيادة التضخم العالمي بنحو 0.4 نقطة مئوية.

وأضافت خلال ندوة في طوكيو: «نشهد مرة أخرى اختبار قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود بسبب الصراع الجديد في الشرق الأوسط، ونصيحتي لصناع السياسات في هذا المشهد العالمي الجديد هي التفكير في ما لا يمكن تصوره والاستعداد له».