بين فخ الجغرافيا وصدمة ستراتيجي.. البيتكوين تودّع الـ70 ألفاً

بيع محدود من «ستراتيجي» يهز ثقة سوق العملات المشفرة (شترستوك)
البيتكوين تهبط دون 70 ألف دولار لأول مرة منذ 8 أبريل 2026
بيع محدود من «ستراتيجي» يهز ثقة سوق العملات المشفرة (شترستوك)

هبطت عملة البيتكوين المشفرة خلال تعاملات يوم الثلاثاء بأكثر من 1.5%، لتتداول دون 70 ألف دولار لأول مرة منذ 8 أبريل نيسان 2026.

وجاء هبوط البيتكوين وسط مجموعة من العوامل الضاغطة على سوق العملات المشفرة، في مقدمتها حالة عدم اليقين المرتبطة بالمحادثات الأميركية الإيرانية والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، التي دفعت المستثمرين إلى تقليص تعرضهم للأصول عالية المخاطر.

كما تعرضت السوق لضغوط إضافية بعد إعلان شركة ستراتيجي، أكبر شركة مدرجة مالكة للبيتكوين في العالم، بيع 32 وحدة من العملة المشفرة بقيمة 2.5 مليون دولار لتمويل توزيعات أرباح، في أول عملية بيع صافية تكشف عنها الشركة منذ عام 2022.

وأثارت الخطوة مخاوف لدى بعض المستثمرين بشأن تحول الشركة عن نهج «عدم البيع أبداً» الذي ارتبط لسنوات بمؤسسها مايكل سايلور، رغم أن الكمية المبيعة تمثل أقل من 0.004% من إجمالي حيازاتها البالغة أكثر من 843 ألف بيتكوين.

وزادت الضغوط على السوق أيضاً مع استمرار تدفقات التخارج من بعض صناديق الاستثمار المتداولة المرتبطة بالبيتكوين، إلى جانب تراجع شهية المخاطرة في الأسواق العالمية في ظل المخاوف المرتبطة بالتضخم وأسعار الفائدة.

كيف يفسر الخبراء التراجع الحالي؟

ويرى الخبير الاقتصادي المتخصص في العملات المشفرة ومؤسس مؤسسة إميرالد (Emerald Foundation)، غريغ مايكسكا أن موجة التراجع الحالية تعكس مزيجاً من العوامل الفنية والمالية.

ببساطة، يعني ذلك أن الهبوط جاء نتيجة ضغط بيع تلقائي ومؤسسي وليس سبب واحد فقط.

ويشمل ذلك قيام المتداولين الذين يستخدمون الرافعة المالية (الاقتراض للاستثمار) ببيع مراكزهم تلقائياً عند الهبوط، إضافة إلى خروج أموال من صناديق الاستثمار المتداولة، مع تزايد الحذر في الأسواق بسبب التوترات الجيوسياسية وتشديد السيولة العالمية.

وأوضح غريغ «في الواقع، من المفترض أن تعزز هذه الخطوة الثقة بدلاً من تقويضها.. ما نشهده ليس تخلياً عن الاستراتيجية، بل تطورها إلى نهج أكثر تطوراً قائم على التجميع والتحسين».

من خلال الاستخدام التكتيكي لجزء صغير من الأصول لتوليد العائد والوفاء بالالتزامات مع زيادة سعر سهم البيتكوين في الوقت نفسه، تُظهر استراتيجية الشركة أن الفرضية طويلة الأجل فعّالة حتى في ظل الظروف المتقلبة.. ومن المرجح أن ينظر المستثمرون الذين يركزون على مقاييس سعر سهم البيتكوين والعائد المستدام إلى هذا على أنه تأكيد على مرونة النموذج وقابليته للتكيف، وليس سببًا للتشكيك فيه.

سهم ستراتيجي يواصل الهبوط

تراجع سهم شركة ستراتيجي، التابعة لرائد الأعمال مايكل سايلور، بعد أن كشفت عن بيع 32 وحدة من بيتكوين بقيمة 2.5 مليون دولار خلال الفترة بين 26 و31 مايو أيار، في أول عملية بيع صافية للعملة المشفرة منذ عام 2022.

وبحسب إفصاح تنظيمي، تم تنفيذ البيع بمتوسط سعر بلغ 77,135 دولاراً للوحدة الواحدة، كما باعت الشركة خلال الفترة نفسها 801,994 سهماً عادياً، محققة إيرادات بلغت 128.3 مليون دولار.

وانخفض سهم ستراتيجي بنحو 5.85% عقب الإعلان، فيما تراجعت بيتكوين بنسبة 2% لتسجل أدنى مستوى لها منذ 13 أبريل نيسان.

وخلال الأسبوع ذاته، جمعت الشركة 128.3 مليون دولار من خلال برنامج بيع الأسهم في السوق، كما رفعت احتياطياتها النقدية بالدولار من 871 مليون دولار إلى 900 مليون دولار تقريباً، وكانت الشركة قد أنفقت مؤخراً نحو 1.38 مليار دولار لإعادة شراء سندات قابلة للتحويل تستحق في عام 2029.

ويأتي هذا التحول في وقت تواجه فيه الشركة التزامات متزايدة مرتبطة ببرامج الأسهم الممتازة وتوزيعات الأرباح، ما يدفعها إلى تنويع مصادر التمويل بدلاً من الاعتماد الحصري على الاحتفاظ طويل الأجل ببيتكوين.

هل لعب بيع «ستراتيجي» دوراً أكبر نفسياً من تأثيره الفعلي؟

ويرى الخبير الاقتصادي غريغ أن التأثير الفعلي لعملية بيع شركة «ستراتيجي» محدود للغاية من الناحية الأساسية، نظراً لأن الكمية المبيعة لا تمثل سوى جزء ضئيل جداً من إجمالي حيازاتها.

وقال مايكسكا في تصريحات لـCNN الاقتصادية إن الأثر الأكبر للعملية كان نفسياً أكثر منه مالياً، لأنها كسرت سردية «عدم البيع أبداً» التي ارتبطت بالشركة لسنوات.

بمعنى أبسط، السوق لم يتأثر بالكمية نفسها، بل بفكرة أن الشركة بدأت تبيع.

ويؤكد أن استراتيجية الشركة الأساسية القائمة على زيادة حيازات البيتكوين لكل سهم لا تزال قائمة.

هل يُعد الانخفاض الأخير مجرد تصحيح صحي للسوق؟

وقال غريغ «أرى أن الانخفاض الأخير تصحيح صحي، وإن كان حاداً، قصير الأجل للسوق ضمن السلوك الدوري الطبيعي للبيتكوين. تُعدّ التوترات الجيوسياسية وظروف السيولة من العوامل الرئيسية المساهمة في تقلبات السوق على المدى القريب وعزوف المستثمرين عن المخاطرة، لكنها لا تُشير إلى انهيار جوهري أو تحوّل دائم عن البيتكوين.. يبدو الأمر وكأنه توطيد وتخفيض للديون يُمهّد الطريق لموجة صعودية جديدة، لا سيما مع استمرار عمليات التمركز السيادي والمؤسسي في الخفاء».

فرضيات حول دور الحكومات في السوق

ويشير مايكسكا إلى وجود وجهة نظر متداولة بين بعض المؤيدين للبيتكوين مفادها أن بعض الحكومات أو الجهات السيادية قد تستغل فترات الضعف السعري لزيادة حيازاتها من العملة المشفرة. إلا أن هذه الفرضية لا توجد عليها أدلة معلنة أو بيانات رسمية تؤكدها حتى الآن، وتبقى ضمن نطاق التقديرات والآراء غير المؤكدة.

وهي وجهة نظر لغريغ، تشير إلى أن بعض المشاركين في السوق يعتقدون أن جهات سيادية قد تستفيد من فترات انخفاض الأسعار لزيادة حيازاتها من البيتكوين، إلا أنه لا توجد بيانات أو أدلة رسمية تدعم هذه الفرضية حتى الآن

ما المؤشرات التي يراقبها المستثمرون؟

وبحسب مايكسكا، يركز المستثمرون خلال الفترة المقبلة على عدة مؤشرات رئيسية تشمل تدفقات صناديق الاستثمار المتداولة للبيتكوين، ومستويات الرافعة المالية في أسواق المشتقات، وحركة المحافظ الكبرى، بالإضافة إلى أي تطورات تنظيمية أو سيادية تتعلق بالأصول الرقمية، باعتبارها عوامل قد تساعد في تحديد اتجاه السوق خلال الأشهر المقبلة.

وقال غريغ «أهم المؤشرات حالياً هي المتوسط ​​المتحرك لـ200 أسبوع (200WMA) وخريطة حرارة المتوسط ​​المتحرك لـ200 أسبوع.. تُخفف هذه الأدوات من حدة التقلبات قصيرة الأجل، وفي ظل الظروف الحالية، تُقدّم صورة أكثر تفاؤلًا مما قد تُوحي به رسوم بيانية الأسعار الفورية وحدها.. فهي تُسلّط الضوء على ديناميكيات التراكم الأساسية المستمرة حتى خلال مرحلة التصحيح هذه».

تعكس تحركات السوق الحالية تداخلاً بين الضغوط الجيوسياسية، وتغيرات السيولة في الأسواق المالية، وتحول بعض الشركات الكبرى في استراتيجيات إدارة الأصول الرقمية.

ورغم حدة التراجع، يرى محللون أن السلوك السعري الحالي لا يزال أقرب إلى مرحلة إعادة تمركز للسيولة منه إلى تحول هيكلي في اتجاه السوق، مع استمرار مراقبة مؤشرات التدفقات المؤسسية والمشتقات خلال الفترة المقبلة.