تبرز العملات المستقرة والخدمات المصرفية المفتوحة والدفع بنقل المال بين الحسابات و العملات الرقمية للبنوك المركزية خلال السنوات الخمس المقبلة كخيارات دفع جديدة بالنسبة إلى الشركات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

هذا ما خلص إليه التقرير السنوي لـ«أمازون لخدمات الدفع الإلكتروني في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا» حول «التوجّهات الرائدة في المدفوعات الرقمية، قيادة اقتصاد الوقت الحقيقي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا»، وذلك ضمن إطار منتدى إعادة تصور المدفوعات بهدف مساعدة التجار والمهتمين بالمدفوعات الرقمية على اكتساب المعرفة في هذا المجال.

وقال بيتر جورج، المدير الإداري لشركة أمازون لخدمات الدفع الإلكتروني في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لـ«CNN الاقتصادية» يشهد القطاع الرقمي في المنطقة مساراً تقدمياً سريعاً، والتزامنا تجاه الشركات لا يقتصر على طرح حلول دفع مبتكرة وفعالة فقط، ولكن مساعدتها أيضاً على فهم كيفية المواكبة الفعالة للتحوّلات في مجال المدفوعات.

واستند التقرير إلى دراسة بحثية أجرتها شركة ديفيز هيكمان استطلعت خلاله آراء أكثر من 100 مدير تنفيذي في كل من السعودية والإمارات ومصر.

استراتيجيات تلقي المدفوعات

الرؤية والتطبيق

وصف التقرير منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من بين أكثر المناطق ديناميكية وسرعة في النمو على المستوى العالمي، عازياً ذلك إلى الاستراتيجيات ورؤية السعودية 2030 ورؤية «نحن الإمارات 2031»، حيث يجري العملاء المزيد من المدفوعات الرقمية ويستخدمون النقود بصورة أقل في المتاجر، إلى جانب ارتفاع المبيعات الإلكترونية في ظل مواصلة التكنولوجيا إحداث قفزات نوعية في عمليات الدفع، تركّز الاقتصادات الكبرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على البيئة الرقمية أو غير النقدية، وسيؤدي السعي إلى تعزيز المدفوعات الرقمية دوراً مهماً في هذه الطموحات.

فمن المتوقع أن تُحدث الأجندات الحكومية، مثل رؤية السعودية 2030 ورؤية «نحن الإمارات 2031» ورؤية مصر 2030، تحولاً كبيراً بالتزامن مع سعيها لبناء مجتمعات غير نقدية بمعدلات مختلفة، وفق بيتر جورج.

وأضاف «تختلف المشاهد والتحديات من دولة إلى أخرى في منطقة الشرق الأوسط، حيث تؤدي الدروس المستخلصة من تجارب الدول الأخرى دوراً رئيسياً في تمهيد الطريق للمدفوعات الرقمية».

كما تبرز بعض التحديات التي تشمل بشكل عام قيود البنية التحتية، وافتقار مجموعات سكانية محددة إلى الاطلاع الرقمي، والمخاوف المتعلقة بخصوصية البيانات والأمن السيبراني.

لكنّ اعتماد الدول استراتيجيات حكومية تعزّز الاقتصاد الرقمي وتنوّع خيارات الدفع الرقمي المتاحة سيؤدي في نهاية المطاف إلى حلول التكنولوجيا الرقمية مكان النقد.

ونوه جورج بالأطر التنظيمية المرنة التي تتبناها مختلف دول المنطقة، حيث توسّعت لتشمل منتجات دفع جديدة ومبتكرة.

ودعا إلى استمرار تبادل المعرفة والتعاون بين الشركاء في القطاعين العام والخاص بهدف المساهمة في تطوير التقنيات واعتماد حلول على مستوى الدولة مثل طرق الدفع غير النقدي.

وقال «تؤدي البنوك المركزية دوراً أساسياً في قيادة المجتمعات غير النقدية، وإنشاء بيئات اختبار تنظيمية تشمل الأطراف كافة، بما في ذلك الجهات التنظيمية والمؤسسات المصرفية وشركات التكنولوجيا المالية والمستهلكون، لبناء حلول مبتكرة وإطار تنظيمي مناسب».

تفضيل المحافظ الاستثمارية

اقتصاد الوقت الحقيقي

وأفاد التقرير بأن 64 في المئة من المديرين التنفيذيين في منطقة الشرق الأوسط يرون أن التحول نحو «اقتصاد الوقت الحقيقي» هو التوجه الأبرز خلال العامين المقبلين بالنسبة للشركات التي تسعى إلى خدمة عملائها بشكل أفضل وزيادة إيراداتها من خلال معالجة عمليات الدفع الرقمي، وتوقع 81 في المئة من الشركات أن تؤدي المعاملات الأسرع إلى زيادة الإيرادات بسبب انشغال العملاء غالباً وافتقارهم لعامل الوقت.

يقدر حجم سوق المدفوعات الرقمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنحو 227 مليار دولار أميركي في عام 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 380 مليار دولار بحلول عام 2029، أي بمعدل نمو سنوي مركب قدره 10.95 في المئة خلال الفترة المتوقعة (2024-2029) وفق موردور انتليجينس.

ومع زخم النمو الذي تشهده المنطقة في عدد من المصارف الرقمية والمفتوحة وتطور قطاع «اشترِ اليوم وادفع لاحقاً» وتنامي المحافظ الرقمية، تنوعت طرق الدفع البديلة مثل تطبيقات التكنولوجيا المالية والمدفوعات عبر الرسائل النصية القصيرة وخدمات الدفع الفوري والمزيد.

تغييرمبيعات التجزئة

تحولات في قطاع المدفوعات

صنف 64 في المئة من المديرين التنفيذيين تعدد طرق الدفع كأهم عامل لتغيير سلوك المستهلكين، متوقعين أن أهمّ خمسة عوامل تغيير مؤثرة على قطاع المدفوعات تشمل الحسابات المصرفية المرتبطة بالهوية الوطنية، والاستخدام المتزايد للمحافظ الرقمية، وتحسين تجارب الدفع، والحدّ من الاحتيال في الدفع، وتحسين المصادقة البيومترية، وطرح عملات مستقرة جديدة لإجراء المدفوعات.

وسلط التقرير الضوء على أربعة توجّهات رائدة من المتوقع أن تؤدي دوراً رئيسياً في قرارات الدفع التي تتخذها الشركات والعملاء خلال السنوات الخمس المقبلة.

التوجه الأول هو تمكين طرق الدفع المتعددة من الحكومات وشركات التكنولوجيا المالية وتنويع الخيارات مثل الخدمات المصرفية المفتوحة والعملات المستقرة والعملات الرقمية للبنوك المركزية، بما يتواءم مع المفهوم الحقيقي للخدمات الفورية، واعتبر التقرير أن توفير تنوع حلول الدفع عبر مختلف نقاط البيع والوسائط من العوامل العشرة المهمة خلال السنوات الخمس المقبلة.

ويكمن التوجه الثاني في زيادة التفاعل مع العملاء الرقميين عند الدفع، ولعل أبرز الحلول في هذا المجال هو الاعتماد على المحافظ الرقمية التي -ووفقاً للتقرير- أصبحت من الطرق المفضلة للدفع لدى العميل.

كما أورد التقرير أن الأمان هو أحد التوجهات الأساسية لمستقبل المدفوعات، حيث يتعيّن على الشركات اتخاذ تدابير أمنية متينة لكسب ثقة العملاء، وتكتسب المصادقة البيومترية وخصوصية البيانات دوراً محورياً في هذا المجال، واعتبر 68 في المئة من الشركات الواردة في التقرير أنّ كسب ثقة العملاء هو المحفّز الأهمّ لطرحها طرق دفع جديدة، ما يؤكد على أهمية تعزيز المنظمين ومزوّدي خدمات الدفع ثقة الشركات بشأن الحواجز الأمنية.

تأثير الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي موضع خلاف

وقال بيتر جورج «وجد تقريرنا أنّ 52 في المئة من المديرين التنفيذيين الذين شملهم الاستطلاع يوافقون على أنّ الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير كبير على طرق الدفع في العامين المقبلين، واعتبر 53 في المئة أنّ تجارب التسوّق الغامرة باستخدام تقنية الواقع المعزز ستكون مهمة جداً».

من جهة أخرى، قال 47 في المئة إنه لن يكون للذكاء الاصطناعي تأثير كبير، ما يشير إلى أنّ التأثير المحتمل لهذه التكنولوجيا لا يزال موضع خلاف في نافذة الأفق لمدة عامين.

وأعرب جورج عن أن نتائج التقرير أكدت أن الذكاء الاصطناعي يحسّن كفاءة قطاع معالجة المدفوعات على المدى البعيد، فمن خلال اعتماد حلول الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تكتسب رواجاً منذ عام 2022، يمكن للشركات تبسيط معالجة المدفوعات إلى حدّ كبير.

ولفت التقرير إلى أن 74 في المئة من التنفيذيين أكّدوا على قدرة الذكاء الاصطناعي على توقّع طرق الدفع المفضلة لدى العملاء، وأنه من أفضل طرق الاستخدام المتاحة.

الأمان ضرورة الثقة

كما يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لجمع كميات هائلة من البيانات وتحليلها، ما يعزز عمليات اتخاذ القرارات المتعلقة بالمدفوعات، لكن يتعيّن على الشركات احترام حدود الخصوصية عند استخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض التخصيص، وتبقى ضمان أمان الدفع ومكافحة الاحتيال وحماية بيانات العملاء الشخصية عوامل أساسية لبناء الثقة، وقد صنّفها المديرون التنفيذيون في تقريرنا أولوية أولى والأهمّ في تكنولوجيا المدفوعات، وفق ما جاء في التقرير.

وفي ظل المشهدية المعقدة سريعة التغيير لقطاع المدفوعات الرقمية تبقى ربحية وأداء الشركات رهناً بمدى قدرة الشركات على التكيف والابتكار والنمو.