بعد بداية عاصفة هذا العام، تجد صناعة العملات المشفرة التي يبلغ عمرها نحو 15 عاماً نفسها أمام مفترق طرق، إذ باتت تحظى بترحيب رسمي من البيت الأبيض ودعم حكومي متزايد.
فبعد سنوات من الشكاوى بشأن القيود التنظيمية التي أعاقت تطورها، تشهد الصناعة تغييرات كبرى مع رحيل غاري جينسلر، رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات في عهد الرئيس السابق جو بايدن، وتعيين شخصيات أكثر انفتاحاً على الأصول الرقمية.
ومع تراجع هيئة الأوراق المالية عن عدد من القضايا ضد شركات التشفير، وبدء سلسلة من المناقشات العامة حول تنظيم القطاع، يترقب المستثمرون ما إذا كانت هذه البيئة الداعمة ستطلق العنان لنمو السوق أم ستظل التحفظات قائمة.
ورغم أن عهد الرئيس دونالد ترامب شهد حرية غير مسبوقة لهذا القطاع، فإن السياسات التجارية غير المستقرة للبيت الأبيض حالياً تثير تساؤلات حول مدى استدامة هذا الدعم.
ويُقدَّر حجم سوق العملات المشفرة بنحو ثلاثة تريليونات دولار، إلا أن اتجاهه المستقبلي لا يزال غامضاً، خاصة مع تراجع البيتكوين بنسبة تفوق 20 في المئة عن أعلى مستوياتها في يناير، ما يعكس حالة عدم اليقين التي تسيطر على المستثمرين وسط المتغيرات السياسية والاقتصادية المتلاحقة.
تواصلت شبكة CNN مع إسوار براساد، أستاذ التجارة الدولية بجامعة كورنيل ومؤلف كتاب «مستقبل المال» الصادر عام 2021، الذي أكد أن قطاع العملات المشفرة يحصل على ما يريده تماماً من إدارة ترامب، وهو «الشرعية»، بالإضافة إلى تنظيم مُتساهل وغير شامل، لهذا يسعى اللاعبون الرئيسيون في قطاع العملات المشفرة إلى شكر ترامب وإثبات وجهة نظره، وهي أن هذه الصناعة قادرة على إحياء جزء خامل من الاقتصاد الأميركي.
يؤكد براساد انبهاره بتقنية بلوكتشين، التي تُمثل البنية التحتية للعملات المُشفرة، وهي تتمثل في نظام دفتر حسابات رقمي يُسجّل جميع المعاملات، ويتم التحقق منها عبر شبكة واسعة من أجهزة الحاسب الآلي، وهذه التقنية تحاول حل المعضلات الرئيسية للنظام المالي التقليدي، الذي يُحملنا رسوماً باهظةً لإجراء المدفوعات، كما يضع قيوداً على وصول ذوي الدخل المحدود للمنتجات المالية الأساسية لإدارة المدخرات والائتمان.
ولكن الوضع الحالي لتكنولوجيا العملات المشفرة «البلوك تشين» لا يحقق هذه الطفرات المأمولة.
ويقول براساد إن العملات المُشفرة لم تتحول إلى وسيلة تبادل تحظى بالثقة والسيطرة من البنوك المركزية، بل أصبحت أصلاً مالياً قائماً على المضاربة فقط.
وبحسب براساد، تتمتع البلوكتشين بالعديد من المزايا من حيث سهولة الوصول والشفافية والأمان وما إلى ذلك، ولكن هناك طرق أخرى لتحقيق الشيء نفسه، لهذا فإن تقنية البلوك تشين «مبالغ في تقديرها»، مؤكداً أن العديد من الشركات لم تحقق قيمة تجارية أعلى أو فورات كبيرة أو كفاءة أعلى بعد تحويل عملياتها إلى البلوكتشين، سواءً فيما يتعلق بإدارة سلسلة التوريد أو السجلات المحاسبية أو مسائل المشتريات.
وينتقد براساد انعدام تدرج الدعم في عهد ترامب، خاصة وأنه لم يكتف بإضفاء الشرعية على العملات المشفرة ومنحها تأييداً حكومياً مباشراً، لكنه أصدر عملة مُشفرة بنفسه «ميم كوين»، ما يُشكك في شرعية الدعم بأكمله.
ويعتقد براساد أن فكرة ترامب بإنشاء احتياطي استراتيجي من العملات المشفرة ليست استراتيجية ولا منطقية، قائلاً «إذا فكرت في إنشاء احتياطي استراتيجي لسلعة مثل النفط، فهذا ضروري للاقتصاد الحقيقي، إذ يمكن استخدام احتياطيات النفط لتهدئة الأسعار وكبح جماح الاضطرابات في العرض، الذهب كذلك مخزن للقيمة، لكن مع عملة مثل البيتكوين، لا توجد قيمة جوهرية، فهو أصل يعتمد على المضاربة تُحدد قيمته بمجرد ندرته».
ويضيف براساد «هذا الاحتياطي لا يُمكن استخدامه لسداد جزء من الدين الحكومي أو تمويل النفقات الحكومية، لأن هذا يعني أن لاعباً كبيراً مثل الحكومة يبيع حيازاته من العملات المُشفرة، وبالتالي سينهار سعر العملات المشفرة بشدة»، لينهي حديثه «لا أرى نهاية جيدة لهذا الدعم الحكومي، ولكنه حدث وسيحدث».