أكثر 10 دول تُحقّق مكاسب من الفوائد الأميركية المرتفعة

الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (رويترز)
FW1
الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (رويترز)

في عالمٍ تزداد فيه أسعار الفائدة الأميركية ارتفاعاً منذ 2022، كثر الحديث عن الخاسرين من هذه السياسة، من اقتصادات ناشئة مثقلة بالديون إلى حكومات تعاني تضخم كلفة الاقتراض، لكن خلف هذا المشهد، هناك مجموعة من الدول تقطف ثمار هذه الموجة النقدية، إذ تحوّلت الفوائد المرتفعة إلى مصدر دخل إضافي يعزز ميزانياتها ويزيد فائض حساباتها الجارية.

هذه الدول ليست صدفةً في موقع المستفيد، بل لأنها تملك مراكز صافية ضخمة من الأصول الخارجية المقوّمة بالدولار، ما يجعل كل زيادة في العائد الأميركي تتحول إلى مكسب مالي مباشر، فمن ألمانيا التي استعادت موقعها كأكبر دائن في العالم، إلى اليابان التي سجّلت فائضاً قياسياً في الدخل الأولي، وصولاً إلى الصين والنرويج وسويسرا وغيرها.. عشر دول تتصدر قائمة الرابحين من ارتفاع الفوائد الأميركية.

مَن يستفيد مِن الفوائد الأميركية المرتفعة؟

القاعدة الاقتصادية البسيطة تقول إن الدول ذات المركز الصافي للاستثمار الدولي الإيجابي —أي الدائنين الصافين للعالم— يزيد دخلها الاستثماري عندما ترتفع عوائد الأصول الدولارية (سندات، ودائع، قروض).

دراسات صندوق النقد وبنك التسويات تبيّن أن ارتفاع الفائدة الأميركية يرفع صافي الدخل من الاستثمار للدائنين الصافين، ولا سيما عبر فوائد السندات والودائع المقومة بالدولار، وفقاً لـBank for International Settlements.

بناءً على أحدث بيانات المركز الصافي للاستثمار الدولي وميزان الدخل الأولي وتقارير البنوك المركزية، اخترنا الدول العشر الأكثر استفادة هيكلياً من دورة الفائدة المرتفعة، وهم: ألمانيا، واليابان، والصين، والنرويج، وسويسرا، وتايوان، وسنغافورة، وهونغ كونغ، وهولندا، ولوكسمبورغ.

والمعيار في ذلك: ضخامة صافي الأصول الخارجية، وأدلة مباشرة على قفزة الدخل الاستثماري في 2024–2025. علماً بأن جميع الأرقام المشار إليها تتعلق بعامَي 2024–النصف الأول 2025 بحسب كل مصدر حكومي مركزي مذكور.

ألمانيا

عادت ألمانيا لتصبح أكبر دائن صافي في العالم في 2024/2025 وفق بيانات البوندسبنك وتقارير إعلامية مالية، مع صافي مركز يناهز 3.4 تريليون يورو (نحو 79% من الناتج) في الربع الأول 2025، وقفزة كبيرة خلال 2024.

هذا الحجم الضخم من الأصول الخارجية —كثير منها أدوات دخل ثابت— يعني استفادة مباشرة من ارتفاع الكوبونات الدولارية.

والربح عبارة عن عوائد أعلى على حيازات السندات والودائع والائتمان عبر النظام المالي الألماني وصناديق الاستثمار/التقاعد، كما تُظهر إحصاءات يوروستات أن ألمانيا ضمن كبار الدائنين في الاتحاد الأوروبي.

اليابان

سجّلت اليابان فائض دخل أولي قياسياً في 2024 مدفوعاً بارتفاع دخل الاستثمارات الخارجية مع ضعف الين وارتفاع العوائد العالمية، وأكدت وزارة المالية اليابانية القفزة في الفائض الجاري والدخل الأولي.

وجاء الربح عبر شركات وبنوك ومستثمرين يابانيين يتلقّون فوائد أعلى على الأصول الدولارية (سندات خزانة، قروض)، ما يرفع تدفق الدخل إلى الداخل حتى مع تقلبات الأسعار السوقية.

الصين

صافي الأصول الخارجية للصين بلغ 3.30 تريليون دولار بنهاية 2024 بحسب إدارة الدولة للنقد الأجنبي، وهذا يجعلها بين أكبر الدائنين عالمياً، ما يعني دخل فوائد أكبر على الحيازات الدولارية (احتياطيات، وسندات، وقروض شركات الدولة).

وأكدت تقارير صندوق النقد بقاء صافي المركز الخارجي للصين موجباً على نطاق واسع.

النرويج

لدى النرويج ملكية خارجية هائلة عبر صندوق الثروة السيادي وصافي أصول دولية قياسي بلغ نحو 1.73 تريليون دولار بنهاية 2024؛ كما سجّل الصندوق أرباحاً قياسية في 2024 مع تحسّن عوائد السندات مقارنة بالسنوات السابقة.

ويأتي الربح من خلال ارتفاع الكوبونات على محفظة السندات الأجنبية الضخمة بجانب تدفّقات فوائض الطاقة المستثمرة عالمياً، وتقارير مدير صندوق الثروة السيادي النرويجي تُظهر عائداً موجباً لأدوات الدخل الثابت في 2024 بعد ارتفاع العوائد.

ومحفظة الصندوق تتضمن آلاف مليارات الكرونات النرويجية في سندات حكومية وشركات، جزء كبير منها مقوّم بالدولار الأميركي، وبعد سنوات من العوائد القريبة من الصفر، أدت دورة رفع الفائدة الأميركية (من 0.25% في 2021 إلى أكثر من 5% في 2023–2024) إلى قفزة كبيرة في الكوبونات المدفوعة للصندوق.

وأظهر تقرير صندوق الثروة السيادي النرويجي NBIM لعام 2024 أن عوائد أدوات الدخل الثابت تحوّلت إلى الموجب لأول مرة منذ سنوات، بفضل ارتفاع الفوائد.

كما حقق الصندوق أرباحاً قياسية في 2024، بعائد إجمالي بنسبة 16.1% في 2024، أي ما يعادل نحو 2.22 تريليون كرونة نرويجية (نحو 210 مليارات دولار).

جزء من هذه القفزة جاء من ارتفاع أسعار الأسهم العالمية، لكن إدارة الصندوق أكدت أن عوائد السندات تحسنت بشكل واضح مع صعود الفائدة الأميركية والأوروبية، كما أن قوة الدولار دعمت العوائد، حيث إن الصندوق يستثمر بكثافة بالدولار، فإن قوة الدولار مقابل الكرونة النرويجية في 2024 ضاعفت من القيمة المحققة عند تحويل الأرباح إلى العملة المحلية، وهذا مكسب إضافي فوق دخل الفوائد نفسه.

سويسرا

صافي المركز الخارجي لسويسرا قفز إلى نحو تريليون فرنك بنهاية 2024، أعلى مستوى تاريخي بحسب قواعد بيانات CEIC)، كما حقق البنك الوطني السويسري أرباحاً قياسية في 2024 أسهم فيها ارتفاع الدولار والعوائد العالمية.

وجاء تحقيق الربح نتيجة نظام مالي ضخم وحيازات خارجية متنوعة (سندات وأسهم)، ما يعني دخل فوائد أكبر على الأصول الدولارية مع بقاء الفرنك قوياً في المدى الطويل.

تايوان

تايوان بين أكبر الدائنين العالميين؛ المركز الصافي للاستثمار الدولي بلغ 1.74 تريليون دولار في 2023 وواصل الارتفاع، وذُكرت كخامس/سادس أكبر دائن في 2024، قطاع التأمين الضخم يحوز سندات دولارية بكثافة، ارتفاع الفائدة يزيد دخل القسائم (مع وجود خسائرَ دفترية مؤقتة على الأسعار).

سنغافورة

سنغافورة تملك صافي أصول دولية موجب وكبير، فقد بلغ صافي الأصول 1.12 تريليون دولار سنغافوري في الربع الثالث من 2024، وهذا يدعم دخل الاستثمار القادم من الخارج مع ارتفاع العوائد الأميركية.

وجاء الربح عبر حيازات صناديق سيادية/مؤسسات مالية لسندات ودائع دولارية تولّد فوائد أعلى.

هونغ كونغ

تكشف بيانات دائرة الإحصاء استمرار الفائض الكبير في الدخل الأولي وصافي الأصول في 2024، مركز مالي بدور وسيط ضخم لأصول دولارية، ما يعني استفادة من الفوائد الأعلى على الودائع والسندات.

هولندا

تُعد هولندا من أكبر الدائنين في العالم، إذ تمتلك أصولاً خارجية تفوق التزاماتها بفارق كبير يعادل عشرات النقاط من ناتجها المحلي، ورغم بعض المراجعات الإحصائية في 2024، فإن بيانات البنك المركزي الهولندي (DNB) وصندوق النقد تؤكد استمرار هذا الفائض الضخم، ومع ارتفاع الفائدة الأميركية، تستفيد الشركات القابضة وصناديق التقاعد الهولندية بشكل مباشر من زيادة العوائد على السندات وأدوات الدين التي تستثمر فيها.

لوكسمبورغ

تُعتبر لوكسمبورغ مركزاً عالمياً للصناديق والاستثمارات، وهو ما يمنحها حجماً هائلاً من الأصول الخارجية، هذا يجعل اقتصادها من بين الأكثر استفادة من ارتفاع عوائد السندات الأميركية، إذ ينعكس ذلك مباشرة على زيادة دخلها الجاري، ورغم أن طبيعة قطاعها المالي المعقد قد تؤدي أحياناً إلى تقلبات في الأرقام، فإن البيانات الدولية تؤكد مكانتها كأحد أبرز الدائنين عالمياً.

كيف تتحقق المكاسب عملياً؟

ارتفاع الفائدة الأميركية يمنح الاقتصادات الدائنة مكاسب مباشرة عبر قنوات متعددة، فكل نقطة مئوية إضافية في أسعار الفائدة ترفع الكوبونات والعوائد على الأصول الدولارية التي تحتفظ بها هذه الدول، من سندات وودائع واستثمارات متنوعة، وتشير أدلة بنك التسويات الدولية إلى أن الدول التي تتمتع بمواءمة جيدة بين أصولها والتزاماتها الدولارية ترى صافي دخل الاستثمار لديها يرتفع بوضوح.

إلى جانب ذلك، يتسع بند الدخل الأولي (دخل الاستثمار) في الحساب الجاري مع كل زيادة في العوائد، وهو ما ظهر جلياً في اليابان خلال 2024 حين حققت فائضاً قياسياً مدفوعاً بإيرادات استثماراتها الخارجية، كما أن الأنظمة المالية في مراكز عالمية مثل ألمانيا وسويسرا وسنغافورة وهونغ كونغ استفادت من هوامش أعلى على قروضها وسنداتها الدولارية، ما عزّز ربحية مؤسساتها المالية.

لكن ليست كل الآثار إيجابية

رغم هذه المكاسب، لا تخلو الصورة من تحديات، فارتفاع العوائد يعني انخفاض أسعار السندات، ما يؤدي إلى خسائر تقييمية قصيرة الأجل تظهر في حسابات الصناديق كخسائر دفترية، كما حدث مع محافظ السندات في تايوان التي تكبّدت خسائر غير محققة عندما قفزت العوائد.

كذلك، تواجه المؤسسات التي تلجأ إلى التحوّط من تقلبات الدولار تكاليف أعلى، ما يلتهم جزءاً من المكاسب الإضافية، وهو أمر بارز في اقتصادات مثل تايوان واليابان، إضافة إلى ذلك، فإن قوة الدولار قد تعقّد الصورة: فهي ترفع القيمة الاسمية لفوائض الدخل عند تحويلها إلى الدولار، لكنها في الوقت نفسه قد تقلص المكاسب الحقيقية أو تضغط على توزيعات الأرباح عند تحويلها إلى العملات المحلية.