سياسات ترامب الحمائية تدفع أوروبا لاتحاد الكتلة مجدداً

سياسات ترامب الحمائية تدفع أوروبا لاتحاد الكتلة مجدداً
فارس القضيبي clock

فارس القضيبي

خبير الشراكات الاستراتيجية الدولية - عضو جمعية الاقتصاد السعودية

 منذ اشتعال الحرب الروسية الأوكرانية قبل ثلاثة أعوام، ودول الاتحاد الأوروبي في إدراك متزايد أن الولايات المتحدة لم تعد الحليف الحقيقي، وذلك نتاج الممارسات الأميركية في تسييس الموارد والظروف لمصالحها بذريعة مواجهة العدو المشترك.

 عودة ترامب لكرسي الرئاسة مجدداً وسياسته تجاه دول الاتحاد بسحب الغطاء الأمني ​​الذي حَمَى أوروبا منذ عام 1945، وكذلك نهجه الحمائي تجاه المنتجات والأسواق الأميركية الذي نتج عنه فرضه رسوماً جمركية بنسبة 25% على مجموعة من الواردات الأوروبية، مدعياً أن الاتحاد الأوروبي شُكِّل لـ"مضايقة" الولايات المتحدة.

googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1738926244764-0'); });

نهج ترامب الثوري تجاه مبادئ التجارة الحرة واقتصادات الدول الأخرى المدفوع بنهج "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً"، هي إشارة واضحة للنوايا الأميركية الرامية لإحداث الضرر وزيادة عمق الأزمة لدول الاتحاد وتركه يغرق في تناقضات الإدارات الأميركية المتعاقبة، وطريق النجاة الوحيد لأوروبا لن يكون إلا بالطريقة الصينية، وهو الرد بالأدوات الاقتصادية ذاتها على شكل تعريفات ورسوم جمركية متبادلة على الواردات الأميركية مبنية على أساس تطابق الأثر الاقتصادي.

googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1739447063276-0'); });

أوروبا تنهض مجدداً

يُدرك الاتحاد الأوروبي حقيقة أن حليفه الأميركي لم يعد من الممكن الوثوق به، عوضاً عن الاعتماد عليه، وهو الأمر الذي يدفع دول الاتحاد إلى التساؤل "ما الذي قد يحدث أسوء؟"، حيث تُمثل الظروف الحالية فرصةً للاتحاد الأوروبي لتسخير قوته الاقتصادية للنهوض مجدداً والتحول إلى اتحاد الكتلة بشكل حقيقي.

فبعد أقل من ثلاثة أيام من انتهاء الانتخابات الألمانية لم يهدر المستشار الجديد فريدريش ميرز وقته، وسافر مباشرةً إلى باريس للقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بلا مراوغات دبلوماسية ولا مزايدات تاريخية، لتأكيد من يتفوق على من! كانت تلك رسالة واضحة من أقطاب الاتحاد الأوروبي لإدارة الرئيس ترامب أن الاتحاد عائد لمصير الكتلة الواحدة بعد أعوام من التفكك المدفوع بالصراعات الحزبية والانقسامات الجيوسياسية.

بريطانيا وفرنسا وألمانيا أقطاب أوروبا التاريخية في مصير واحد، حيث يقودون الدول الأوروبية في مواجهة الاحتياجات الاقتصادية التي لا حصر لها والأولويات الجيوسياسية المتغيرة بشكل مستمر، لا سيما بعد اجتماع ترامب والرئيس الأوكراني زيلينسكي، عندما اتضح جلياً للعالم كيف تخطط الإدارة الأميركية للتعامل مع النضال العالمي من أجل الديمقراطية، وأن الأميركيين لا يمانعون في عكس معادلة الضحية والمعتدي بما يتناسب مع أجندتهم!

المعادلة لخروج أوروبا من النفق المظلم

أوروبا في النفق المظلم منذ سنوات، النفق الذي يقود لما هو أسوء من فقدان الريادة الاقتصادية وفقدان التأثير والنفوذ السياسي العالمي، إلى التهديد الوجودي لدول الاتحاد بأكمله، وتكمن المعادلة المتوازنة في أوروبا اليوم أن لكل قوة من القوى الكبرى في الاتحاد الأوروبي + بريطانيا مسؤولية أساسية واحدة للخروج من هذه الأزمة العميقة والمعقدة، وذلك على النحو التالي:

1.  تقود بريطانيا ورئيس وزرائها كير ستارمر تشكيل تحالف المؤيدين للتغيير، للحد من التبعية الأوروبية للولايات المتحدة وإحداث الفرق لقلب المعادلة لمصلحة أوروبا في مواجهة سياسات ترامب، خصوصاً في ما يتعلق بالموقف تجاه أوكرانيا.

 2. تقود فرنسا ورئيسها إيمانويل ماكرون مسؤولية استقلال أوروبا النووي عن الولايات المتحدة في جانبي الطاقة وكذلك الدفاع.

3. تقود ألمانيا بمستشارها المنتخب مؤخراً فريدريش ميرز توفير القوة والملاءة المالية اللازمتين لجعل كل خطط الاتحاد ممكنة تجاه استراتيجيته نحو التحرر من الأعباء الاقتصادية جراء الحرب الأوكرانية وعِبء الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة.

هذه هي الركائز الأساسية الثلاث التي تسعى أوروبا لتأمينها للخروج من عمق الأزمة، وكل شيء آخر يمكن أن يتبعها، وإلا فإن كل شيء سيكون مصيره الفشل ما لم تنجح الدول الثلاث الكبرى في احتواء هذه الركائز لإعادة أوروبا حصينة مجدداً.

هل يقصي اتحاد الكتلة الولايات المتحدة بدعم القوة الشرائية؟

كانت المظلة النووية بمثابة الغطاء للولايات المتحدة، من خلال قيادة تحالف عبر الأطلسي، حيث جلب هذا التحالف مليارات الدولارات لأميركا من خلال الحفاظ على وحدة السوق الأوروبية في إطاره الاقتصادي والأمني، لكن ترامب وإدارته لم يدركوا أبداً أن الناتج المحلي لدول الاتحاد الأوروبي وفقاً للقوة الشرائية يتجاوز 23 تريليون دولار، وهو مساوٍ للناتج الاقتصادي المُعدَّل وفقاً للقوة الشرائية بالنسبة للولايات المتحدة.

ماذا يعني ذلك؟ أكبر سوق دفاعية توشك الولايات المتحدة على خسارتها بمجرد أن تتحرر أوروبا من ظروفها الدفاعية والعسكرية الحالية، حيث ما زالت رهينة المجمع الصناعي الدفاعي الأميركي، وفي حال انحسار مبيعات المجمع الدفاعي ستتبعه خسارة أسواق لمنتجات أميركية أخرى في أوروبا.

ختاماً

الظروف الجيوسياسية والاقتصادية الخانقة تدفع بالدول الأوروبية لتبني اتحاد الكتلة مجدداً أكثر من أي وقت مضى للرد على الاستفزازات الأميركية، والبداية من الإنفاق الدفاعي، حيث ينفق الاتحاد الأوروبي ما يقرب من 50% من مشترياته من الولايات المتحدة، وهذا الرقم وفقاً للحراك الأوروبي الحالي على وشك الانخفاض، حيث إنه من المتوقع أن تستبدل الدول الأوروبية وارداتها الدفاعية الأميركية بمنتجات أوروبية الصنع تدريجياً، تفادياً لاستفزازات ومساومات أميركية محتملة، وهو الأمر الذي اتضح تماماً مع عودة ترامب ونواياه تجاه تبني سياسات اقتصادية حمائية لا يبدو أنها أخذت وقتاً كافياً لقياس الأثر المتوقع والعواقب المحتملة، بل إنها تهدف لتعظيم المكتسبات الأميركية المرحلية دون النظر لمصالح الحلفاء الذين يقفون في صف واحد و يتخذون موقفاً مشتركاً تجاه سياسات ترامب، وهو ما ستكون نتيجته عزل المنتج الأميركي عن الأسواق العالمية.

 تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.