رسوم ترامب الجمركية.. إنقاذ للاقتصاد أم تكرار لكارثة الثلاثينيات؟

رسوم ترامب الجمركية

عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الثاني من أبريل 2025 فرض رسوم جمركية شاملة على الدول كلّها، لم تكن هذه المرة الأولى التي تتبنى فيها الولايات المتحدة سياسات حمائية صارمة تحت شعار «حماية الاقتصاد الوطني».

ورغم الجدل الكبير الذي أثاره هذا القرار، فإن التاريخ يعيد نفسه بشكلٍ أو بآخر، فقد شهدت الولايات المتحدة خطوة مشابهة قبل نحو 100 عام، عندما فرضت الحكومة الأميركية رسوماً جمركية صارمة على آلاف السلع المستوردة خلال أزمة الكساد الكبير.

googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1738926244764-0'); });

حينها، كان الهدف حماية الصناعة الوطنية، لكن النتيجة كانت كارثية، حيث أدّت إلى انهيار التجارة الدولية وتفاقم الأزمة الاقتصادية.

ترامب والرسوم الجمركية.. هل هو تكرار لأخطاء الماضي؟

googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1739447063276-0'); });

اليوم، يعود ترامب إلى استخدام الرسوم الجمركية كسلاح اقتصادي.. في خطابه الأخير، وصف يوم الإعلان بأنه «يوم التحرير»، واعتبره خطوة لاستعادة الاستقلال الاقتصادي الأميركي.

فرضت الولايات المتحدة رسوماً بنسبة 10% على الواردات جميعها مع رسوم أعلى على بعض الشركاء التجاريين الرئيسيين مثل الصين (34%) والاتحاد الأوروبي (20%).

برر ترامب هذه الخطوة قائلاً إنه «لا يكترث» إذا رفعت الشركات الأجنبية أسعارها، لأن ذلك سيحفّز الأميركيين على شراء المنتجات المحلية.

لكن ردود الفعل لم تتأخر، فقد أثار القرار موجة من الانتقادات والمخاوف من تداعياته الاقتصادية الواسعة.

فهل يعيد ترامب إنتاج أخطاء الثلاثينيات؟ وهل يمكن أن تؤدي هذه الرسوم إلى تعزيز الصناعة الوطنية أم أنها مغامرة قد تكلّف الاقتصاد الأميركي والعالمي كثيراً؟

من الكساد الكبير إلى تحديات 2025

في عام 1930، كانت الولايات المتحدة تواجه أزمة اقتصادية خانقة بعد انهيار سوق الأسهم عام 1929، ما أدى إلى تفاقم الكساد الكبير.

وصلت البطالة إلى نحو 25%، وانخفض الناتج المحلي الإجمالي بشكلٍ حاد.

في تلك الظروف، صدر قانون سموت-هاولي الذي فرض رسوماً جمركية على أكثر من 20,000 منتج مستورد بهدف حماية الصناعة المحلية.

لكن النتيجة كانت كارثية، فقد انهارت التجارة الدولية بنسبة 66% في السنوات التالية، وتراجع الإنتاج المحلي بسبب الرسوم الانتقامية التي فرضتها دول أخرى.

أمّا في عام 2018، كان الوضع مختلفاً تماماً؛ كان الاقتصاد الأميركي في حالة توسع، مع معدلات بطالة منخفضة بلغت نحو 4%.

لكن ترامب رأى في العجز التجاري مع دول مثل الصين والمكسيك تهديداً للاقتصاد الوطني، ففرض رسوماً جمركية على واردات متنوعة، أبرزها الصلب (25%) والألومنيوم (10%)، إضافة إلى رسوم على سلع صينية بقيمة تجاوزت 360 مليار دولار.

مع تصاعد التوترات التجارية، فرضت بعض الدول مثل الصين رسوماً انتقامية على المنتجات الأميركية، خاصة فول الصويا والسيارات، لكن في النهاية، وبضغط من القطاعات المتضررة، توصلت الولايات المتحدة إلى اتفاقيات تجارية جديدة، أبرزها اتفاق USMCA مع كندا والمكسيك، الذي خفف بعض الرسوم الجمركية وأعاد التوازن في العلاقات التجارية.

أما في 2025، فيعود الجدل من جديد؛ أعلن ترامب رسوماً جمركية بنسبة 10% على الواردات جميعها، مع زيادات على الاتحاد الأوروبي والصين. لكن مقارنة بـ1930، فإن الوضع مختلف؛ فالتجارة كانت تمثل 11% فقط من الناتج المحلي الإجمالي حينها، بينما تشكّل اليوم نحو 30%، ما يعني أن أي تراجع في التجارة الدولية الآن سيكون تأثيره أكثر حدة.

هل يواجه الاقتصاد الأميركي ركوداً جديداً؟

أثار الإعلان عن الرسوم الجمركية قلق الاقتصاديين.

ووفقاً لتوقعات Citi، فإن هذه الرسوم قد ترفع معدل التضخم الأساسي بنحو 1% هذا العام، ليصل إلى 4%، كما أفادت منصة Polymarket بأن احتمالية دخول الاقتصاد الأميركي في ركود هذا العام ارتفعت إلى 52%، ما يعكس مخاوف الأسواق من تأثير هذه السياسات في الاستقرار الاقتصادي.

في ثلاثينيات القرن الماضي، تسببت سياسات الحماية التجارية في اندلاع حرب جمركية عالمية، حيث ردت دول مثل كندا وألمانيا بفرض رسوم على المنتجات الأميركية، ما أدّى إلى انهيار صادرات المنتجات الزراعية الأميركية.

أما في 2018، على رغم من أن بعض القطاعات مثل الصلب شهدت انتعاشاً محدوداً، فإن صناعات أخرى مثل السيارات والزراعة تعرضت لأضرار كبيرة بسبب الرسوم الانتقامية.

اليوم في 2025، يواجه الاقتصاد الأميركي تحديات أكثر تعقيداً، مع ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو.

تشير التقارير إلى أن الرسوم الجديدة قد تضعف الدولار الأميركي، حيث بدأ المستثمرون بتحويل استثماراتهم إلى الأسواق الأوروبية، ما يعكس تراجع الثقة في استقرار الاقتصاد الأميركي.

هل 2 أبريل «يوم التحرير» أم بداية أزمة جديدة؟

يعتبر ترامب أن فرض الرسوم الجمركية يمثل «يوم التحرير» للاقتصاد الأميركي، معتقداً أن هذه الخطوة ستعيد الصناعة المحلية إلى الداخل وتقلل العجز التجاري مع دول مثل الصين، التي تسجل فائضاً تجارياً مع الولايات المتحدة يُقدّر بـ295 مليار دولار.

بحسب تقديرات إدارة ترامب، فإن هذه السياسة قد ترفع الإيرادات الفيدرالية بنحو 700 مليار دولار سنوياً، وتوفّر فرص عمل جديدة في الصناعات التي انتقلت إلى الخارج.

لكن الاقتصاديين يحذّرون من أن هذه السياسة قد ترفع الأسعار على المستهلكين الأميركيين، ما قد يؤدي إلى تباطؤ الطلب الداخلي وزيادة احتمالية الركود.

هل تقود الحمائية اقتصاد أميركا نحو الهاوية؟

توضّح مقارنة الفترات الثلاث أن السياسات الحمائية، رغم نواياها في حماية الاقتصاد الوطني، قد تؤدي إلى نتائج عكسية.

وبينما يسعى ترامب إلى تعزيز الصناعة المحلية، فإن التحديات الاقتصادية المتزايدة تطرح تساؤلات حول مدى فاعلية هذه الاستراتيجية في عالم مترابط اقتصادياً.

يبقى السؤال الأهم: هل ستحقق هذه السياسات أهدافها المرجوة أم أنها ستفتح الباب أمام أزمة اقتصادية جديدة تهدد الاقتصاد الأميركي والعالمي؟