يشهد بعض المستثمرين اندفاعاً نحو اقتناص الأصول الروسية، في ظل إحساس بأن هناك تقارباً محتملاً بين واشنطن وموسكو قد يوقف الحرب الدائرة في أوكرانيا. ويتولد لدى متعاملين في الأسواق بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب منفتح على الحوار مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وقد تؤتي محادثات السلام القائمة اليوم في السعودية ثمارها ونرى وقفاً لإطلاق النار بشكلٍ تدريجي يتبعه وقف كلي للحرب الروسية الأوكرانية.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1738926244764-0'); });
وقد يؤدي التقارب الروسي الأميركي ووقف الحرب إلى ربط الاقتصاد الروسي بالأسواق العالمية.. لكن هذا الحماس لا يخفي «جموداً مستمراً»، إذ تتوقع صناديق استثمار كبرى أن يظل الجزء الأكبر من الاقتصاد الروسي مغلقاً أمام المستثمرين الغربيين لسنوات مقبلة.
تحول روسيا إلى اقتصاد «منعزل»
منذ الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، فُرضت عقوبات صارمة أدت إلى عزل روسيا عن النظام المالي العالمي، ومع أن تغير اللهجة الدبلوماسية قد أشعل حماسة البعض للعودة إلى السوق الروسية، إلا أن خبراء الاستثمار يرون أن موسكو لن تفتح قطاعاتها الرئيسية بالكامل أمام رؤوس الأموال الغربية قريباً.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1739447063276-0'); });
يقول غونتر دويبر، رئيس الأبحاث في بنك «رايفايزن إنترناشونال» النمساوي «قد نشهد بعض صفقات تبادل الأصول، إذ توجد أصول روسية في الغرب وأصول غربية في روسيا، لكن هذا لتقليل المخاطر من الجانبين أكثر منه عودة حقيقية للانفتاح»، بحسب رويترز.
تفاؤل يحمل في طياته الكثير من المخاطر
أصدر الرئيس بوتين مؤخراً مرسوماً يسمح لصندوق التحوط الأميركي «683 كابيتال بارتنرز» بشراء أوراق مالية في شركات روسية من بعض المساهمين الأجانب، غير أن هذا المرسوم تضمن أيضاً بنداً يتيح بيع تلك الأوراق لاحقاً لصندوقين روسيين، ما اعتُبر إشارة على استمرار قيود كبيرة تمنع إعادة انفتاح السوق بشكل شامل.
رغم ذلك، يقول سماسرة إن هناك ازدياداً في الطلب على أصول مرتبطة بروسيا، وعلى رأسها الرهان على الروبل من خلال العقود الآجلة غير القابلة للتسليم (NDFs)، وهي أدوات مشتقة تُتداول بالدولار الأميركي، وتحمي المستثمرين من تعقيدات العقوبات.
وشهدت هذه العقود رواجاً ملحوظاً مؤخراً، إذ أظهرت بيانات بنك يو بي إس امتلاك صناديق التحوط بما قيمته 8.7 مليار دولار أميركي من عقود الروبل NDF في أوائل مارس آذار، ما يشير إلى توقعات بارتفاع الروبل الذي قفز بنحو 30 في المئة أمام الدولار منذ بداية العام.
تداولات محدودة وليست اندفاعة شاملة
على الرغم من بعض الإقبال على الروبل، لا تزال السيولة ضعيفة؛ يقدر المحللون حجم التداول اليومي للروبل بعقود الـNDF ما بين 25 و40 مليون دولار أميركي حالياً، مقارنة بنحو 2 إلى 2.5 مليار دولار أميركي كان يجري تداوله يومياً قبل الحرب.
كما أن بعض المستثمرين يستهدفون السندات المقومة بعملات صعبة لشركات روسية مثل غازبروم ولوك أويل وفوس أغرو، لكنها تظل ضعيفة السيولة وتحتاج إلى خصومات سعرية لجذب المشترين.
كذلك الأمر مع جيران روسيا؛ فالسندات السيادية وعملات دول مثل كازاخستان وأوزبكستان، التي تعد اقتصاداتها وثيقة الارتباط بروسيا، شهدت زخماً انعكاساً لتوقعات تقارب واشنطن وموسكو.. ومع ذلك، ما زالت هذه صفقات «هامشية» ذات مخاطرة عالية، بحسب ما يوضح الوسطاء.
قيود من الجانبين.. العقوبات والقوانين الروسية
تُضاف إلى التعقيدات حالة «الشد والجذب» بين الولايات المتحدة وأوروبا حيال روسيا، ففي الوقت الذي يبدي فيه ترامب ليونةً ما تجاه الكرملين، تواصل الدول الأوروبية توسيع حزمة العقوبات ضد موسكو، كما عززت إنفاقها العسكري إلى مستويات غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية.
من جهتها، اتخذت روسيا تدابير قانونية تقيد ملكية الأصول وتداولها من قبل جهات من «الدول غير الصديقة»، ما يفاقم العوائق أمام عودة الاستثمارات الغربية.
يرى بافل ماماي، من شركة برو ميريتوم إنفستمنت مانجمنت، أن دور الدولة الروسية في الاقتصاد تضاعف، وهو ما يقلل احتمالات الانفتاح السريع مجدداً على الأسواق الخارجية.
مستقبل «المؤمنين» بالعودة
يعتقد بعض الوسطاء في دول آسيا الوسطى والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية أنه لا يزال بالإمكان إبرام صفقات روسية بشكل غير مباشر، خاصة بالنسبة للمستثمرين المستعدين لتحمل مخاطر مرتفعة.
وتقول مؤسسات مالية في أرمينيا، مثل سيريوس كابيتال، إن العائدات المرتفعة على سندات الخزينة الروسية المقومة بالروبل –التي تدور حول 15 في المئة– قد تغري بعض المستثمرين الذين يضعون الاعتبارات السياسية جانباً ويرون في هذه الأصول فرصة جاذبة.
مع ذلك، يظل شبح الخسائر السابقة حاضراً، إذ تعرض كثيرون لضربة قاسية عند دخول العقوبات حيز التنفيذ.
ويرى محللون في غرامرسي فاندز مانجمنت أن الهوة القائمة بين الموقف الأوروبي المتشدد والحذر الأميركي لا تشي بعودة سريعة للأموال الغربية.
في ضوء المعطيات الحالية، يبدو أن «الاندفاع» المزعوم نحو الأصول الروسية محدود في نطاقه ومقيد ببيئة شديدة الحذر.
وبين آمال التطبيع السريع وتحذيرات «التجمد الطويل»، تظل السوق الروسية في موقف معزول، مع احتمال تمدد هذا المشهد لسنوات ما لم تتغير المعادلات السياسية.
بالنسبة لكثير من المستثمرين المخضرمين، يشكل هذا الجمود مصدر قلق أساسياً، لكنه قد يشكّل أيضاً فرصة لمن يملكون شهية للمخاطرة في بيئة يتخللها غموض اقتصادي وجيوسياسي عميق.