جاء تقرير الوظائف لشهر مارس آذار 2025 ليؤكد مجدداً أن سوق العمل الأميركي لا يزال يحتفظ بزخمه، على الرغم من تباطؤ بعض المؤشرات الأخرى في الاقتصاد، فقد أضاف الاقتصاد الأميركي 228 ألف وظيفة جديدة في مارس آذار، وهو ما يفوق بوضوح المتوسط الشهري خلال العام الماضي البالغ 158 ألف وظيفة فقط و151 ألف وظيفة في فبراير شباط 2025، بحسب بيانات وزارة العمل الأميركية. وعلى الرغم من هذه القفزة، بقي معدل البطالة مستقراً عند 4.2 في المئة، في نطاق ضيق لم يتغير منذ مايو أيار 2024، ما يعكس استقراراً نسبياً في سوق العمل، وإن كان عند مستويات أعلى قليلاً من معدلات ما قبل الجائحة.
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1738926244764-0'); });
شملت القطاعات التي قادت النمو الرعاية الصحية (+54 ألف وظيفة) والخدمات الاجتماعية (+24 ألفاً)، في حين عادت بعض وظائف قطاع التجزئة (+24 ألفاً) بعد انتهاء إضراب سابق، وكان لافتاً تسجيل قطاع النقل والتخزين زيادة كبيرة (+23 ألف وظيفة)، أي ضعف المتوسط الشهري السابق، بدعم من نشاط في خدمات النقل السريع (+16 ألفاً) ونقل الشاحنات (+10 آلاف).
googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1739447063276-0'); });
في المقابل، انخفض التوظيف في القطاع الفدرالي بنحو 4 آلاف وظيفة، استمراراً لتراجع الشهر السابق الذي سجل فيه خسارة 11 ألف وظيفة.
ويُنظر إلى هذا التراجع ضمن سياق توجهات خفض الإنفاق الحكومي، والتي قد تزداد مع تزايد الضغوط السياسية.
على صعيد الأجور، ارتفع متوسط الأجر في الساعة بنسبة 0.3 في المئة إلى 36 دولاراً، بزيادة سنوية قدرها 3.8 في المئة، ما يشير إلى استمرارية الضغط التضخمي في سوق العمل، رغم تراجع وتيرته مقارنة بعامي الذروة 2022 و2023، أما عدد ساعات العمل الأسبوعية فلم يشهد تغييراً يُذكر، إذ بلغ المتوسط 34.2 ساعة.
وتُظهر البيانات أيضاً أن نحو 4.8 مليون أميركي لا يزالون يعملون بدوام جزئي رغم رغبتهم في وظائف بدوام كامل، بينما يبلغ عدد العاطلين لفترات طويلة (27 أسبوعاً فأكثر) نحو 1.5 مليون شخص، أي ما يمثل أكثر من خمس العاطلين عن العمل.
ما الأسباب وراء زيادة الوظائف؟
يعتمد تفسير الزيادة في عدد الوظائف في مارس آذار 2025 على عدة عوامل، بعضها مرحلي ومؤقت، وبعضها يعكس الديناميكيات الهيكلية للاقتصاد الأميركي حالياً.
أولاً، من المهم الإشارة إلى أن الرسوم الجمركية التي أعلنها ترامب لم تدخل حيز التنفيذ بعد، بل إنها كانت في طور التهديد أو التخطيط حتى نهاية الربع الأول من 2025، هذا يعني أن القطاعات التي تعتمد على الواردات لم تتأثر فعلياً بعد بتكاليف إضافية، بل قد تكون قد أسرعت في الإنتاج والتوظيف تخوفاً من زيادة التكاليف لاحقاً، وهو ما يسمى في الاقتصاد بـ«الاندفاع قبل التعريفة».
ثانياً، البيانات تشير إلى أن النمو في الوظائف في مارس آذار جاء مدفوعاً بقطاعات خدمية ومحلية، مثل التعليم والرعاية الصحية والضيافة، وهي قطاعات غير معتمدة بشكل مباشر على سلاسل التوريد الدولية أو الاستيراد، هذه القطاعات غالباً ما تستجيب لتحسن الثقة المحلية والإنفاق الاستهلاكي وليس للسياسات التجارية الخارجية.
ثالثاً، من المحتمل أن يكون التوسع في التوظيف مدفوعاً جزئياً بتوقعات التحفيز أو زيادة الإنفاق العام المحلي التي وعد بها ترامب في بداية ولايته، ما شجع أصحاب الأعمال على التوسع قبل تطبيق السياسات فعلياً.
من منظور اقتصادي، مع التوجه المتوقع لتنفيذ الرسوم الجمركية على الصين والاتحاد الأوروبي، تبرز عدة سيناريوهات محتملة لما بعد الربع الثاني من 2025.. من ناحية، قد يتسبب دخول الرسوم حيز التنفيذ في زيادة التكاليف على الشركات المصنعة والمستوردة، ما يهدد بتباطؤ بعض القطاعات الصناعية وزيادة تسريح العمالة.
كما أن احتمال ارتفاع التضخم بسبب زيادة أسعار السلع المستوردة قد يعيد الضغط على الاحتياطي الفيدرالي، ما يستدعي ربما إعادة تقييم سياسة أسعار الفائدة.
من جانب آخر، قد تؤدي التوترات التجارية والردود الانتقامية من دول أخرى، مثل الصين أو أوروبا، إلى تضرر القطاعات التصديرية الأميركية مثل الزراعة والتكنولوجيا والسيارات، ما قد يؤثر على استقرار الوظائف فيها.. في ظل هذه التحديات، قد يشهد الاقتصاد الأميركي توسعاً محلياً مؤقتاً بفضل الحوافز المالية والإنفاق المحلي، لكن هذا التوسع لن يكون مستداماً دون استقرار في العلاقات التجارية.
في الختام، بينما توجد فرص للنمو في بعض القطاعات الداخلية، فإن التحديات الاقتصادية العالمية قد تفرض ضغوطاً على الاستقرار الاقتصادي في المديين المتوسط والطويل.