مع تباطؤ معدلات التضخم العالمية، بدأت شركات المنتجات الاستهلاكية تواجه تحدياً جديداً يتمثل في صعوبة تحقيق التوازن بين التكلفة والنمو، وفقاً للتقرير السنوي للمنتجات الاستهلاكية الذي تصدره شركة الاستشارات الرائدة (بين آند كومباني) بعد استطلاع قامت به لأكثر من 120 مسؤولاً تنفيذياً حول العالم.

ارتفاع الأسعار لا يواكب التكلفة المتزايدة

على الرغم من الارتفاع الكبير الذي شهدته أسعار المنتجات الاستهلاكية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لم ترتفع بالقدر الكافي لتغطية الزيادة المماثلة في معدل التكلفة.

وتعليقاً على ذلك، قال ريتشارد ويبستر، رئيس إدارة المنتجات الاستهلاكية العالمية في (بين آند كومباني) «في الوقت الذي شهدنا فيه ارتفاعاً مفرطاً في الأسعار، فإن هذا الارتفاع لم يكن بالقدر الكافي لمواكبة التكاليف والضغوط المتزايدة من تجار التجزئة»، مشيراً إلى أن الشركات تحتاج إلى إحداث تغييرات جذرية في محافظ منتجاتها ونماذج أعمالها وعروض القيمة التي تقدمها للمستهلكين حتى تتمكن من مواصلة النمو في المستقبل.

وكشف التقرير أن ارتفاع أسعار المدخلات -أي التكاليف التي تتكبدها الشركات للحصول على الموارد والمواد اللازمة لإنتاج السلع والخدمات- أسهم في تعزيز الفجوة بين الأسعار ومعدل النمو.

وأكد نحو 82 في المئة من المشاركين في الاستطلاع أن التضخم كان له تأثير كبير على أعمالهم خلال العام المنصرم، ما يجعله أحد أكبر المعضلات على الإطلاق بالنسبة للرؤساء التنفيذيين.

الموازنة بين الإنفاق والنمو.. المعادلة الأصعب

سجل قطاع المنتجات الاستهلاكية نمواً هائلاً العام الماضي مع ارتفاع قيمة مبيعات التجزئة العالمية بالقطاع بنحو 10 في المئة على أساس سنوي خلال العام، أي ضعف متوسط معدل النمو على مدار السنوات العشر السابقة، وفقاً لما أورده التقرير.

ويرى التقرير أن هذا النمو جاء مدفوعاً بارتفاع أسعار السلع وليس زيادة حجم المبيعات؛ ففي الولايات المتحدة وأوروبا، شكّلت زيادات الأسعار 95 في المئة من نمو قيمة المبيعات.

واستبعد التقرير احتمال استمرار تلك الظاهرة، مشيراً إلى أن الأسواق الناشئة ستشكّل عنصراً أساسياً لدفع النمو القائم على حجم المبيعات في قطاع السلع الاستهلاكية خلال السنوات المقبلة.

وبحسب نتائج الاستطلاع، تأثر أكثر من نصف المديرين التنفيذيين (54 في المئة) بمعدلات التضخم وتغير أنماط الاستهلاك مع سعي المزيد من المستهلكين إلى خفض الإنفاق خلال عام 2023، سواء عبر انتظار العروض الترويجية أو شراء السلع الأقل سعراً أو تفضيل العلامات التجارية التي توفر قيمة مضافة.

وعلى الرغم من أن القطاع حقق نمواً إجمالياً بـ10% خلال العام الماضي، فقد رصد التقرير تراجعاً في أداء عدد من السلع الاستهلاكية الأفضل أداءً، إذ سجلت نمواً بـ4% فقط، فيما يمثّل انحساراً عن أدائها المتميز خلال السنوات السابقة.

وفي الوقت الذي ارتفعت أسعار السلع الاستهلاكية بأكثر من 20 في المئة منذ الربع الثالث من عام 2021، سجل متوسط الأرباح قبل الفوائد والضرائب أدنى مستوياته منذ 10 سنوات بالنسبة للسلع الأفضل أداءً، ما دفع العديد من الشركات إلى تقليص أو وقف نشاط التوظيف في إطار إجراءات خفض التكلفة.

الأسواق الناشئة تقود النمو

شكّلت الأسواق الناشئة المحرك الأساسي لنمو قطاع السلع الاستهلاكية خلال العام.

وقدمت الهند نموذجاً رائداً للنمو المتوازن، حيث سجّلت زيادة قدرها 15 في المئة في قيمة مبيعات التجزئة منذ عام 2022، مع تحول المستهلكين من المنتجات المحلية إلى العلامات التجارية العالمية البارزة.

وعلى الرغم من الفرص الواعدة التي توفرها الأسواق الناشئة في مجال السلع الاستهلاكية، فقد نوه التقرير لضرورة إضافة قدرات جديدة لهذه الأسواق حتى تتمكن من تحقيق النمو المأمول في هذا المجال.

الرقمنة أساس تحسين الأداء

أكد التقرير أن الاستثمار في الحلول الرقمية -مثل أدوات تحليل البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي- يمثّل عنصراً حاسماً لتحسين أداء شركات السلع الاستهلاكية، وهو التحدي الأكبر أمام الرؤساء التنفيذيين خلال السنوات المقبلة، إذ يساعد على خفض التكلفة وتحسين الكفاءة التشغيلية وتجربة المستهلك.

واستشهد على ذلك بأن الأتمتة من شأنها توفير نحو 40 في المئة من وقت العمل في وظائف معينة.

تحديات الاستدامة

يعتبر نصف المستهلكين العالميين حالياً أن الاستدامة تشكّل أحد أهم أربعة اعتبارات عند التسوق، مؤكدين استعدادهم لدفع مبالغ أكبر بنحو 10 في المئة مقابل المنتجات المستدامة.

ويبحث تجار التجزئة بشكلٍ متزايد عن الموردين الذين يمكنهم المساعدة على تقليل انبعاثاتهم المباشرة وغير المباشرة، خاصة مع تزايد متطلبات الامتثال المتعلقة بالمناخ.

رغم ذلك، ذكر التقرير أن نحو ثلث شركات السلع الاستهلاكية فقط تسير على الطريق الصحيح للوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالنطاق 1-3 لإزالة الكربون.